في تفسير سورة الجاثية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١) و (٥)﴾
ثمّ لمّا ختمت سورة حم الدخان المشتملة على تعظيم القرآن ، وبيان أدلة التوحيد والمعاد ، والتفضّلات العظيمة ببني إسرائيل ، نظمت سورة حم الجاثية المشتملة على تلك المطالب ، فابتدأها بقوله : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمّ افتتحها بذكر كلمة ﴿حم﴾ وقد مرّ تأويلها مرارا.
ثمّ بين عظمة شأن القرآن الكريم بقوله : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ العظيم الشأن ﴿مِنَ﴾ جانب ﴿اللهِ الْعَزِيزِ﴾ القادر على إيجاد الممكنات التي منها جعل القرآن من أعظم المعجزات ﴿الْحَكِيمِ﴾ المطّلع على جميع العلومات ، ولذا اشتمل كتابه على حكم كثيرة وعلوم وفيرة.
قيل : إن حم قسم ، والمعنى اقسم بحم الذي هو تنزيل الكتاب ، وجواب القسم قوله : ﴿إِنَّ فِي﴾ خلق ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾(١) أو في أنفسهما خلقا ومقدارا وكيفية ﴿لَآياتٍ﴾ وأدلّة واضحة على توحيد خالقهما ، وكمال قدرته وربوبيته ، ولكن الانتفاع بها ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنّهم يتفكّرون فيها ، ويستدلّون بالخلق على الخالق ، وبالمصنوع على الصانع وتوحيده وقدرته وحكمته ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيّها الناس من التّراب أولا ، ومن النطفة ، ثمّ من علقة ، ثمّ من المضغة إلى تمام الخلق ﴿وَ﴾ في ﴿ما يَبُثُ﴾ ويفرّق في الأرض ﴿مِنْ دابَّةٍ﴾ وذي حياة متحرّك على اختلاف أنواعها وأصنافها وصورها وهيآتها ﴿آياتٌ﴾ وشواهد مقتضية لليقين بتوحيد موجودها ومفرّقها وحكمته وقدرته ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بشيء في العالم ، فانّ من لم يكن شكّاكا ، بل كان ممّن يحصل له اليقين بشىء ، يحصل له
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٥٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
