الذي أحاط بنا ﴿إِنَّا﴾ بعد رفعه ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ بك وبرسولك.
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
* إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا
مُنْتَقِمُونَ (١٣) و (١٦)﴾
ثمّ يقول الله تعالى ردّا عليهم : ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَ﴾ كيف لهم الاتعاظ برؤية هذه الداهية ، والحال أنه ﴿قَدْ جاءَهُمْ﴾ من قبل الله ﴿رَسُولٌ﴾ عظيم الشأن ﴿مُبِينٌ﴾ ومظهر لهم رسالته بالمعجزات الباهرة ، أو مظهر لهم مناهج الحقّ ، وأتاهم من المواعظ والعبر ما يحرّك صمّ الجبال ﴿ثُمَ﴾ مع ذلك ﴿تَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا ﴿عَنْهُ﴾ بل لم يقنعوا بالتولّي والإعراض حتى أطالوا اللسان عليه ﴿وَقالُوا﴾ تارة ﴿مُعَلَّمٌ﴾ يعلّمه بشر ، ويفتري على الله بأنّ كتابه كتاب الله وكلامه أنزله إليه بالوحي ، وتارة قالوا : إنّه ﴿مَجْنُونٌ﴾ وخفيف العقل حيث يدّعي ما لم يقل به عقلاء قومه ، أو يصيبه الجنّ حين يعرض له (١) الغشي ، فيلقون إليه ما يدّعي أنّه كلام الله. وقيل : إنّ بعضهم قالوا : معلم ، وبعضهم قالوا : إنّه مجنون (٢) ، فإذا كان خبث ذاتهم ورذالة صفاتهم بهذه المرتبة ، لا يتوقّع منهم الايمان والاتّعاظ.
ثمّ لوّن سبحانه الخطاب إليهم تسجيلا عليهم الخلف بقوله : ﴿إِنَّا كاشِفُوا﴾ ورافعو ﴿الْعَذابِ﴾ الذي تسألون كشفه ورفعه زمانا ﴿قَلِيلاً﴾ وهو بقية مدّة أعمارهم إلى القيامة ، أو كشفا قليلا ، ولكن ﴿إِنَّكُمْ﴾ بعد كشفه ﴿عائِدُونَ﴾ وراجعون البتة إلى الكفر والعتوّ والطّغيان ، واذكر يا محمد ، أو ذكّرهم ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ فيه ونأخذ الكفّار بعنف وصولة ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ ونعاقبهم العقوبة العظمى ، وفي ذلك اليوم ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ منهم أشدّ الانتقام.
عن ابن عباس : أنّه قال ابن مسعود : البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هي يوم القيامة (٣) .
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي
لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٧) و (١٩)﴾
ثمّ حكى سبحانه حال قوم فرعون ، ومعارضتهم موسى بن عمران ، وإهلاكهم بالعذاب ، تسلية للنبي صلىاللهعليهوآله ، وتهديدا لقومه بقوله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ وامتحنّا في العصر السابق على عصر قومك و﴿قَبْلَهُمْ﴾ بزمان طويل ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وكان امتحانهم بأن أتاهم ﴿وَجاءَهُمْ﴾ من قبلنا لهدايتهم إلى
__________________
(١) في النسخة : يعرضه.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٣ و٢٤٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
