شدّة الجوع ، أو لأنّ في عام القحط يظلمّ الهواء لقلة الأمطار وكثرة الغبار ، أو لأنّ العرب تسمّي الشرّ الغالب دخانا ، وإسناد إتيانه إلى السماء ؛ لأنّه بسبب كفّها عن الأمطار (١) .
روي هذا عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وقالا : ذلك لمّا دعا النبيّ صلىاللهعليهوآله على أهل مكّة حين أصرّوا على تكذيبه وإيذائه بقوله : « اللهمّ اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنينا كسنيّ يوسف » فأصابتهم سنة حتى أكلوا الجيف والجلود والعظام والعلهز (٢) والكلاب ، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان ، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلىاللهعليهوآله ، وناشده بالله والرّحم ، ووعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به (٣) ، فلمّا أزال الله عنهم ذلك رجعوا إلى الكفر والشرك.
في ذكر بعض اشراط الساعة
وقيل : إنّه الدّخان الذي عدّ من أشراط الساعة ، فانّه يظهر في العالم ، فيحصل لأهل الايمان منه حالة تشبه الزّكام ، ولأهل الكفر السّكر ، وتصير رؤوسهم كالحنيذ (٤) . روى بعض العامة هذا القول عن علي عليهالسلام وابن عباس (٥).
ورووا عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « أول الآيات الدّخان ، ونزول عيسى بن مريم ، ونار تخرج من قعر عدن ، تسوق الناس إلى المحشر » قال حذيفة : يا رسول الله ، وما الدّخان ؟ فتلا رسول الله صلىاللهعليهوآله هذه الآية ، وقال : « دخان يملأ ما بين المغرب والمشرق ، يمكث أربعين يوما وليلة ، أمّا المؤمن فيصيبه كهيئة الزّكمة ، وأما الكافر فهو كالسكران ، يخرج من منخريه واذنيه ودبره » (٦) .
وفي رواية اخرى ذكر صلىاللهعليهوآله من الآيات طلوع الشمس من مغربها ، والدجّال ، والدّخان ، والدابّة(٧) .
وروى في ( الجوامع ) عن علي عليهالسلام أنّه قال : « دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة ، يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالحنيذ ، ويعتري المؤمن كهيئة الزّكام ، وتكون الأرض كلّها كبيت اوقد فيه ، ليس فيه خصاص (٨) ويمتد ذلك أربعين يوما » (٩) .
﴿يَغْشَى﴾ ذلك الدّخان ﴿النَّاسَ﴾ ويشملهم من كلّ جانب ، وهم يقولون : ﴿هذا﴾ الدّخان ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ عظيم ، ثمّ يقولون تضرّعا إلى الله : ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ﴾ وارفع ﴿عَنَّا﴾ هذا ﴿الْعَذابَ﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٤٠٦.
(٢) العلهز : القراد الضخم ، وطعامه من الدم والوبر كان يتّخذ في المجاعة.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٤٠٦ ، ولم ينسبه إلى أحد.
(٤) الحنيذ : الشيء المشوي ، فعيل بمعنى مفعول ، ومنه لحم حنيذ ، وعجل حنيذ ، أي محنوذ.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٢.
(٦) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٢.
(٧) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٣.
(٨) الخصاص : جمع خصّ. وهو البيت المتّخذ من الشجر أو القصب ، أو الذي سقفه من الخشب.
(٩) جوامع الجامع : ٤٣٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
