الحقّ موسى بن عمران الذي هو ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ على الله عظيم الشأن عنده ، أو كريم وشريف عند الناس ، أو حسن الخلق ، فقال : ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ يا قوم ، وسلّموا ﴿إِلَيَ﴾ بني إسرائيل الذين هم يكونون ﴿عِبادَ اللهِ﴾ وارسلوهم معى ولا تعذبوهم. قيل ان المعنى ادو إلى عباد الله ما هو واجب عليكم من الايمان بالله ، وقبول دعوتي وطاعتي (١) .
ثمّ ذكر علّة أمره بتأدية بني إسرائيل ، أو تأدية حقّ الله إليه بقوله : ﴿إِنِّي﴾ يا قوم ﴿لَكُمْ﴾ وإليكم ﴿رَسُولٌ﴾ من قبل الله ﴿أَمِينٌ﴾ على وحيه ورسالته ، غير متّهم بالكذب والخيانة ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا﴾ ولا تتكبّروا ﴿عَلَى اللهِ﴾ بالإهانة بوحيه وبرسوله وبعباده ، أو لا تتأنّفوا من طاعته والإيمان به.
﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ
تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ * فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ
وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها
قَوْماً آخَرِينَ (١٩) و (٢٨)﴾
ثمّ ذكر علّة نهيه بقوله : ﴿إِنِّي آتِيكُمْ﴾ من جانب الله ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ وحجّة واضحة على رسالتي من قبله ، وصدقي فيما دعوتكم إليه ، وهي المعجزات الباهرات ، وفي تعليل وجوب التأدية عليهم بأمانة نفسه ، وحرمة العلوّ على الله بإتيان السلطان المبين ، ما لا يخفى من اللّطافة والجزالة ﴿وَإِنِّي﴾ يا قوم ﴿عُذْتُ﴾ والتجأت ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ القادر على دفع كلّ شرّ وخير من ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ بالحجارة ، الذي هو أفظع القتل ، أو بالقول السيء من الشتم والسبّ والنسبة إلى الكذب والسحر ، أو من أن تؤذونني بالضرب والشتم.
وقيل : لمّا قال : ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ توعدّوه بالقتل (٢) .
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وتذعنوا ﴿لِي﴾ وكابرتم عقولكم ، ولم تصدّقوني فيما أقول ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ واتركوني على ما أنا عليه ، ولا تتعرّضوا لي بشرّ ولا أذى ، فأصرّ القبط على تكذيبه وإيذائه ﴿فَدَعا﴾ موسى ﴿رَبَّهُ﴾ وكان دعاؤه : ﴿أَنَّ هؤُلاءِ﴾ القبط ﴿قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ وطاغون مصرّون على الكفر بك وتكذيبي ، فافعل بهم ما يستحقون بجرمهم.
فأوحى الله إليه إذا كان حال القبط ذلك ﴿فَأَسْرِ﴾ أنت يا موسى ﴿بِعِبادِي﴾ بني إسرائيل ﴿لَيْلاً﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٥.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٤١٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
