ربوبيته على وفق حاجات المحتاجين ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لتضرّعاتهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحاجاتهم.
فتحصّل من الآيات المباركات بيان شرف القرآن وعظمته ، ذاتا بقسمه تعالى به ، وتوصيفه بكونه مبينا ، وانتسابا بنسبة إنزاله إلى ذاته المقدّسة ، وبيان زمان نزوله ، وهو أشرف الأزمنة ، وغاية هي إنذار الخلق وتكميل الرحمة عليهم.
﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي
وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٧ و) (٨)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في تعظيم كتابه بتعظيم نفسه الذي أنزله بقوله : ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بأنّ لها ربا ، أو موقنين بشيء ، فانّ اليقين بهذا أولى من اليقين بسائر الأشياء لغاية وضوحه. وقيل : يعني إن كنتم طالبين لليقين ، فأيقنوا بذلك (١).
فاذا كان الله تعالى خالق جميع الموجودات العلوية والسّفلية ، ثبت أنّه ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ ولا معبود بالاستحقاق سواه وهو ﴿يُحْيِي﴾ الموتى ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحياء ، وهو ﴿رَبُّكُمْ﴾ وخالقكم ومكمّل وجودكم ﴿وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وأجدادكم السابقين من آدم ومن بعده من أولاده.
روى بعض العامة عن الباقر عليهالسلام : « أنّه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف آدم وأكثر»(٢).
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى
النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (٩) و (١٢)﴾
ثمّ أضرب سبحانه عن كونهم موقنين بقوله : ﴿بَلْ هُمْ﴾ مع تلك الآيات الدالة على التوحيد ﴿فِي شَكٍ﴾ ممّا ذكر من التوحيد وسائر شؤونه تعالى غير موقنين في إقرارهم بأنّه ربّ السماوات والأرض ﴿يَلْعَبُونَ﴾ بإقرارهم ، ويهزؤون باعترافهم ، ولا يقولون عن جدّ وإذعان. وقيل : إنّ المعنى بل هم حال شكّ مستقر في قلوبهم ، يلعبون (٣) بزخارف الدنيا ، ولا يكونون بصدد إزالة شكّهم.
إذا كان ذلك حال الكفار ﴿فَارْتَقِبْ﴾ يا محمد ، وانتظر لهم ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ أو المراد فانتظر وعد الله في يوم تأتي السماء ﴿بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ظاهر لا يشك أحد في أنّه دخان.
قيل : إن الدخان كناية عن المجاعة والقحط ، فانّ الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدّخان من
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٤٠٥.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٤٠٥.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٤٠٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
