وفي ( الخصال ) عن أمير المؤمنين عليهالسلام: « من تصدّى بالإثم عمي (١) عن ذكر الله تبارك وتعالى ، ومن ترك الأخذ بمن أمر الله بطاعته ، قيّض له شيطانا فهو له قرين » (٢) .
ثمّ بيّن سبحانه ضرر الشياطين بقوله تعالى : ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ بتسويلاتهم وإغوائهم لقرنائهم ، والله ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ ويمنعونهم ﴿عَنِ﴾ سلوك ﴿السَّبِيلِ﴾ المودّي إلى الحقّ ، وإلى جميع الخيرات الدنيوية والاخروية ، ﴿وَ﴾ الحال أنّ العاشين ﴿يَحْسَبُونَ﴾ ويتوهّمون في أنفسهم ، لشدة ضلالتهم ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحقّ. قيل : إنّ مرجع الضمير [ إلى ] الشياطين (٣) . والمعنى أنّهم يحسبون أنّ الشياطين الذين اتّبعوهم مهتدون.
﴿حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ
يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٨) و (٣٩)﴾
ثمّ إنّهم مستمرون على مصاحبة الشياطين وحسبانهم الباطل ﴿حَتَّى إِذا جاءَنا﴾ كلّ واحد منهم مع قرينه يوم القيامة ورأى وخامة عاقبة اتّباعه للشيطان الذي قارنه ﴿قالَ﴾ مخاطبا له : ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ في الدنيا ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وفصل ما بينهما.
قيل : إنّ التثنية على التغليب ، والمراد منها المشرق والمغرب (٤) . وقيل : على الحقيقة ، والمراد مشرق الشمس ومشرق الكواكب ، وهو مغرب الشمس. وقيل : مشرق الشمس في الصيف والشتاء ، وبينهما بعد عظيم (٥) .
وعلى أيّ تقدير المقصود تمنّي البعد الذي لا أبعد منه ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أنت يا شيطان ، ثمّ يقال له من قبل الله تعالى توبيخا وتقريعا : ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ تمنّي التباعد ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أنفسكم ، ولأجل أن عصيتم ربّكم باتّباعكم في الدنيا إياهم في الكفر والطغيان ﴿أَنَّكُمْ﴾ أيّها التابعون والمتبوعون ﴿فِي الْعَذابِ﴾ الأليم ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ كما كنتم في الدنيا مشركين في سببه ، وهو العصيان.
وقيل : إنّ فاعل ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ قوله : ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ والمعنى أنّ اشتراككم في العذاب لا ينفعكم في التشفّي ، إذ تقولون ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾(٦) ولا في التخفيف عنكم ؛ لأنّ شدّة العذاب تذهل كلا عن الآخر.
__________________
(١) في المصدر : صدىء بالاثم عشى.
(٢) الخصال : ٦٣٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٩١.
(٣) تفسير أبي السعود ٨ : ٤٧ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٧٠.
(٤) تفسير أبي السعود ٨ : ٤٧ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٧٠.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٢١٣.
(٦) تفسير أبي السعود ٨ : ٤٨ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٧٠ ، والآية من سورة الأحزاب : ٣٣ / ٦٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
