افعاله محمود في أعماله ، وذلك قوله : ﴿وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال الله تعالى : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فأحوجنا بعضا إلى بعض ، أحوج هذا إلى مال ذلك ، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته ، فترى أجلّ الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب ، إمّا سلعة منه ، وإمّا خدمة يصلح لها لا يتهيّأ لذلك الملك أن يستغني إلّا به ، وإمّا باب من العلوم والحكم ، وهو فقير إلى أن يستفيده من ذلك الفقير ، فهذا الفقير يحتاج إلى ذلك الملك الغنيّ ، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير ورأيه أو معرفته ، ثمّ ليس للملك أن يقول : هلّا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير ؟ وليس للفقير أن يقول : هلّا اجتمع إلي رأيي وعلمي وما أتصرّف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغنيّ ؟ » (١).
﴿وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً
مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ *
وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ
لِلْمُتَّقِينَ (٣٣) و (٣٥)﴾
ثمّ بيّن سبحانه حقارة الدنيا وحطامها عنده ، ردّا لمن استعظمها وادّعى أولوية واجدها بالرسالة بقوله تعالى : ﴿وَلَوْ لا﴾ كراهة ﴿أَنْ يَكُونَ النَّاسُ﴾ في الكفر ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ وجماعة متّفقة على الشرك لرغبتهم فيه ، إذا رأوا جميع الكفّار في التنعّم والسّعة ، والله ﴿لَجَعَلْنا﴾ لحقارة الدنيا وهوانها عندنا ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ﴾ ويشرك به مع كونه شرّ الخلائق وأقلّهم قدرا ، أعني ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ ومساكنهم ﴿سُقُفاً﴾ معمولة ﴿مِنْ﴾ جنس ﴿فِضَّةٍ﴾ خالصة ﴿وَمَعارِجَ﴾ ومدارج ومصاعد من فضة أيضا ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَ﴾ يعلمون السطوح والقصور ، وجعلنا ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ ومساكنهم ﴿أَبْواباً﴾ من فضّة ﴿وَسُرُراً﴾ أيضا من فضّة ﴿عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ ويعتمدون حال الجلوس ﴿وَ﴾ وجعلنا ﴿زُخْرُفاً﴾ وزينة عظيمة من الذهب لهم.
وقيل : إنّ المعنى ونجعل لهم مع ذلك ذهبا كثيرا (٢) . وقيل : إنّه عطف على محلّ ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ والمعنى سقفا من فضّة وزخرف بمعنى الذهب ، أي سقفا بعضها من فضة وبعضها من ذهب (٣) .
__________________
(١) الاحتجاج : ٣٠ - ٣٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٨٩.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٢١١.
(٣) جوامع الجامع : ٤٣٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
