والتخلّق بأخلاق الله ، والتنزّه عن الرذائل ، وكمال العقل والذكاء ، والإعراض عن الدنيا وعمّا سوى الله ، والاقبال إلى الله والدار الآخرة. وقليل من تلك المكارم خير من الدنيا بحذافيرها ، ولا يلازم وجود النّعم الدنيوية وجود تلك الكمالات النفسانية وقرب واجدها إلى الله ، بل كثيرا ما لا يجتمعان.
في مخاصمة النبي صلىاللهعليهوآله مع المشركين
روى في ( الاحتجاج ) أنّ عبد الله بن أبي امية قال لرسول الله صلىاللهعليهوآله في مجمع سائر قريش : لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا ، لبعث أجلّ من فيما بيننا مالا ، وأحسن حالا ، فهلّا نزّل هذا القرآن الذي تزعم أنّ الله أنزله عليك ، وأنّه بعثك به رسولا ، على رجل من القريتين عظيم ؛ إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة ، وإمّا عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ؟ ثمّ ذكر اشياء اخر.
إلى أن قال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : « وأمّا قولك : لو لا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ، إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة ، وإمّا عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ، فانّ الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر عنده كما له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به شربة ماء ، وليس قسمة الله إليك ، بل الله القاسم للرحمات ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو عزوجل ممّن يخاف أحدا كما تخافه أنت لماله وحاله فعرفته بالنبوّة لذلك ، ولا ممّن يطمع في أحد في ماله وحاله كما تطمع فتخصّه بالنبوّة لذلك ، ولا ممّن يحبّ أحدا محبّة الهوى كما تحبّ أنت فتقدّم من لا يستحقّ التقديم ، وإنّما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر لأفضل مراتب الدين وجلاله إلّا الأفضل في طاعته ، والأجدّ في خدمته ، وكذلك لا يؤخّر في مراتب الدين وجلاله إلّا أشدّهم تباطؤا عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته ، لم ينظر إلى مال ، ولا إلى حال ، هذا المال والحال من تفضّله ، وليس لأحد من عباده [ عليه ] ضربة لازب (١) .
فلا يقال له : إذا تفضّلت بالمال على عبد ، فلا بدّ أن تتفضّل عليه بالنبوة أيضا ، لأنّه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضلا ، لأنّه تفضّل قبله بنعمة ، ألا ترى - يا عبد الله - كيف أغنى واحدا وأقبح صورته ، وكيف أحسن صورة واحد وأفقره ، وكيف أغنى واحدا ، وكيف شرّف واحدا وأفقره ووضعه؟
ثمّ ليس لهذا الغنيّ أن يقول : هلّا اضيف إلى يساري جمال فلان ؟ ولا للجميل أن يقول : هلّا اضيف إلى جمالي مال فلان ؟ ولا للشريف أن يقول : هلّا اضيف إلى شرفي مال فلان ؟ ولا للوضيع أن يقول : هلّا أعطيتني شرف فلان ؟ ولكن الحكم لله ، يقسم كيف يشاء ، ويفعل كما يشاء ، وهو حكيم في
__________________
(١) صار الأمر ضربة لازب ، أي لازما ثابتا.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
