عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾(١) .
عن قتادة : لو أنّ هذا القرآن رفع حين ردّه أوائل هذه الأمّة لهلكوا ، ولكن الله برحمته كرّره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة (٢) .
والحاصل والله أعلم : إنا لا نترككم مع سوء اخيتاركم ، بل نذكّركم ونعظكم كي ترجعوا عمّا أنتم عليه إلى الدين الحقّ.
ثمّ ذكر سبحانه عادة الامم السابقة في تكذيب الرسل والكتب السماوية وإهلاكهم بالعذاب عظة للمشركين وتهديدا لهم وتسلية للرسول بقوله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا﴾ وكثيرا ما بعثنا ﴿مِنْ نَبِيٍ﴾ من قبلنا ﴿فِي﴾ الامم ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ والقرون الماضين ﴿وَ﴾ كان دأبهم أنّه ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ من قبلنا ﴿مِنْ نَبِيٍ﴾ يدعوهم إلى الإيمان بالتوحيد والعمل بالدين الحقّ ﴿إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ومنه يسخرون ، فلا تتأذّيا محمد من تكذيب قومك واستهزائهم بك ، فانّ البلية إذا عمّت طابت ﴿فَأَهْلَكْنا﴾ هم بالعذاب مع أنّهم كانوا ﴿أَشَدَّ﴾ من قومك وأكثر ﴿مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ وقوة وعدة ، ولم يمنعنا عن إهلاكهم بطشهم وقوّتهم ، وما قدروا على معارضتنا ﴿وَمَضى﴾ وسلف في القرآن ﴿مَثَلُ﴾ الامم ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وحكينا لك قصّتهم التي حقّها أن يضرب بها المثل في الغرابة ، كقصة عاد وثمود وقوم لوط وإضرابهم ، فعلى قومك أن يعتبروا بهم ، ويتركوا اتّباعهم.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ *
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي
نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ
الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (٩) و (١٢)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد إسراف المشركين وإصرارهم على الشرك ، بيّن اعترافهم بالفطرة بالتوحيد بقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يا محمد ، تقريرا لهم ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وعوالم الملك والملكوت ؟ والله ﴿لَيَقُولُنَ﴾ بالفطرة في الجواب ويعترفن البتة بأنّه ﴿خَلَقَهُنَ﴾ الله الذي هو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على ملكه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بجميع مخلوقاته وأحوالهم ، لعدم إمكان خلقهنّ من العاجز الجاهل كالأصنام والأوثان.
__________________
(١) الأنعام : ٦ / ١٥٦.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
