قيل : جوابهم خلقهن الله (١) ، ولمّا كان لازم اعترافهم كون الخلق واجدا للقدرة والعلم ، وصف سبحانه ذاته المقدّسة بالوصفين ، وفيه توبيخهم بأنّه مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره وينكرون قدرته على البعث.
ثمّ شرع سبحانه في وصف ذاته بكمال القدرة والحكمة مخاطبا للمشركين بقوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وصيّر ﴿لَكُمُ﴾ أيّها المشركون ﴿الْأَرْضَ مَهْداً﴾ ومكانا تستقرّون عليه ، ومسكنا تنامون وتتقلّبون عليه ، كما يتقلّب أحدكم على فراشه ﴿وَجَعَلَ﴾ بلطفه ﴿لَكُمْ فِيها سُبُلاً﴾ وطرقا سهّل العبور منها ، تسلكونها في أسفاركم للتجارة وسائر المقاصد الدينية والدنيوية ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ بسلوكها ﴿تَهْتَدُونَ﴾ إلى مقاصدكم ، وكي تصلوا إلى البلاد التي فيها محاويجكم ، أو لكي تهتدوا بالتفكّر فيها إلى توحيد ربّكم الذي هو المقصد الأسنى ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ﴾ بقدرته ورحمته ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ المطلّ ، أو من جهة العلوّ ﴿ماءً﴾ نافعا بالأمطار ﴿بِقَدَرٍ﴾ وحدّ ينفعكم ولا يضرّكم ﴿فَأَنْشَرْنا﴾ بذلك الماء وأحيينا ﴿بِهِ بَلْدَةً﴾ ومكانا ﴿مَيْتاً﴾ ويابسا لا نبات له ، ولا انتفاع به ﴿كَذلِكَ﴾ الإحياء تحيون ثانيا ، ومثل إخراج النبات من الأرض ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من القبور ، وتحشّرون للحساب ، وفي التعبير عن إحيائهم بالإخراج تهوين لأمر البعث ﴿وَالَّذِي خَلَقَ﴾ بقدرته ﴿الْأَزْواجَ﴾ والأنواع المختلفة من الموجودات ﴿كُلَّها﴾ كالأبيض والأسود ، والذكر والانثى ، والحلو والحامض ، كما عن ابن عباس (٢) .
قيل : إنّ جميع ما سوى الله زوج كالفوق والتحت ، واليمين والشمال ، والقدّام والخلف ، والماضي والمستقبل ، والذوات والصفات ، والصيف والشتاء ، والربيع والخريف ، والليل والنهار ، إلى غير ذلك (٣) .
أقول : جميع الممكنات زوج تركيبي مركّب من الماهية والوجود والجنس والفصل والمادّة ، والصورة ، فالتفرّد مختصّ بالذات الواجب الوجود.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا
نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ
مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٢) و (١٤)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد إظهار المنّة على العباد بجعل السبيل ، بيّن تسهيله السير بخلق المركب للسير بقوله : ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ والسفن الجارية في البحار ﴿وَ﴾ من ﴿الْأَنْعامِ﴾ كالإبل والأفراس والبغال والحمير ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ عليه في البحر والبرّ ، وتقديم الفلك على الأنعام ، لكون الفلك أدلّ
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٣٥٣.
(٢و٣) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٧ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٤١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
