الفساد والبطلان ، أو لعليّ على سائر الكتب السماوية ، لكونه معجزة باقية إلى آخر الدهر و﴿حَكِيمٌ﴾ ومحكم لا يتطرّق إليه النّسخ ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، أو محكم في البلاغة والبداعة ، أو ذو حكمة بالغة ، وقيل : إنّ الوصفين للوّح المحفوظ - كما عن ابن عباس رحمهالله - وإنّما خصّه الله بالتشريف لكونه جامعا لأحوال جميع المحدثات (١) .
عن ابن عباس : إنّ أول ما خلق الله القلم ، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق (٢) .
قيل : إنّ ذلك ليشاهد الملائكة موافقة المحدثات لما في ذلك اللّوح ، فيعلموا كمال علم الله وحكمته (٣) .
وقيل : إنّ المراد من امّ الكتاب الآيات المحكمات ، والمعنى أنّ حم واقعة في الآيات المحكمات التي هي الأصل والامّ (٤) .
وعن الصادق عليهالسلام في تأويله : « هو أمير المؤمنين عليهالسلام في امّ الكتاب ، يعني الفاتحة ، فانّه مكتوب فيها في قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(٥) قال : الصراط المستقيم هو أمير المؤمنين عليهالسلام ومعرفته » .
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ
فِي الْأَوَّلِينَ * وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ * فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ
مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٥) و (٨)﴾
ثمّ أنكر سبحانه على نفسه بعد بيان جعل القرآن عربيا أن يترك اللّطف بالعرب ، أو بقريش بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ ونصرف ﴿عَنْكُمُ.﴾ قيل : إنّ التقدير أنهلككم أيّها العرب ، أو يا قريش ؟ فننحّي ﴿الذِّكْرَ﴾ ونبعد القرآن عنكم ، ونترك الأمر والنهي والوعد والوعيد (٦) بالنسبة إليكم ، أو نردّ عنكم المواعظ والنصائح (٧) ، أو ذكر العذاب (٨)﴿صَفْحاً﴾ وإعراضا عنكم لأجل ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ ومتجاوزين عن الحدّ في الإصرار على الشرك والعصيان. ولا والله لا نفعل ذلك لسعة رحمتنا ، بل نتمّ الحجّة عليكم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب بلسانكم ، لئلّا تقولوا يوم القيامة : ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ
__________________
(١و٢) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٤.
(٤) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٤.
(٥) معاني الأخبار : ٣٢ / ٣ ، « بتقديم وتأخير » ، تفسير الصافي ٤ : ٣٨٤.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ٣٥١.
(٧) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٥.
(٨) تفسير الرازي ٢٧ : ١٩٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
