وعن النبي صلىاللهعليهوآله : « ما من رجل يشاور أحدا إلّا هدي إلى الرّشد » (١) .
وعن القمي : يشاورون الإمام [ فيما يحتاجون إليه ] من أمر دينهم (٢) .
﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ من الأموال والأمتعة والنّعم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في مرضاة الله ، ويحتمل كون المراد من قوله : ﴿مِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ مطلق البرّ والمعروف. عن النبي صلىاللهعليهوآله : « كلّ معروف صدقة » (٣) .
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ ووقع عليهم الظّلم من ذي شوكة جريء على الله ، لا يرضون بالذّلّ والهوان لأنفسهم بتحمّل الظّلم ، بل ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وينتقمون من الظالم على الوجه الذي جعل الله له ورخّصه فيه ، لدفع الذّلّ عن نفسه ، وردع الظالم من الجرأة على الضعفاء ، وهو وصفهم بالشجاعة والصلابة في الدين بعد وصفهم بسائر امّهات الفضائل ، ولا تنافي بين مدحهم بالعفو عند الغضب وكظم الغيض ، وبين مدحهم بعدم الرضا بالظلم عليهم ، وتحمّل الذّلّ ، وتضييع حقّهم ، وإقدامهم على إحقاق حقّهم من الظالم ، فانّه من إباء النفس الذي هو من الفضائل.
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾
ثمّ لمّا رخّص سبحانه في الانتقام من الظالم ، بيّن حكمه بقوله : ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ وجناية صادرة من المسيء والجاني إن أردتم المجازاة ﴿سَيِّئَةٍ﴾ وجناية ﴿مِثْلُها﴾ لا تزيد عليها ، وإنّما اطلق اسم السيئة على الجزاء باعتبار أنّه يسوء الآخر ﴿فَمَنْ عَفا﴾ عن المسيىء ، ولم يقابل إساءته بإساءة ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين من يعاديه بالعفو والإغضاء ﴿فَأَجْرُهُ﴾ العظيم ﴿عَلَى اللهِ﴾ وفي إيهام الأجر إشعار بغاية عظمته ، بحيث لا يمكن وصفه وتحديده.
في فضيلة العفو عن المسيىء
روي أنّ أبا بكر كان عند النبي صلىاللهعليهوآله ، ورجل من المنافقين يسبّه ، وأبو بكر لم يجبه ، ورسول الله صلىاللهعليهوآله ساكت يتبسّم ، فأجابه أبو بكر ، فقام النبي صلىاللهعليهوآله وذهب. فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ما دام يسبّني كنت جالسا ، فلمّا أجبته قمت ؟ فقال النبي صلىاللهعليهوآله : « إنّ ملكا يجيبه عنك ، فلمّا أجبته ذهب وجاء الشيطان ، وأنا لا أكون في مجلس يكون هناك الشيطان » فنزل ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾(٤) .
وفي حديث عامي : « إذا كان يوم القيامة ينادي مناد : أين العافون عن الناس ؟ هلمّوا إلى ربّكم،
__________________
(١) مجمع البيان ٩ : ٥١ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٨.
(٢) تفسير القمي ٢ : ٢٧٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٨.
(٣) صحيح مسلم ٢ : ٦٩٧ / ١٠٠٥ ، صحيح البخاري ٨ : ٢٠ / ٥١ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٣٢.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
