في مدّة أعمارهم فيها ، وانتفاعات قليلة تنقطع بخروجكم منها ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ من المثوبات الاخروية ﴿خَيْرٌ﴾ من جميع الدنيا وما فيها ﴿وَأَبْقى﴾ وأدوم منها ، حيث لا انقطاع ولا زوال له أبدا ، وهي خالصة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وأخلصوا له دينهم ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ وحده في جميع امورهم ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ ويعتمدون ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ ويحترزون ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ وعظائم الذنوب ، وهي التي أوعد الله عليها النار.
وعن ابن عباس : كبير الإثم هو الشرك (١) ، ولعلّ المراد الشرك الخفي حتى يجتمع مع الايمان.
﴿وَ﴾ يحترزون ﴿الْفَواحِشَ﴾ والمعاصي المتناهية في القبح ، وهي من عطف الخاصّ على العام ، للإيذان بغاية شناعته ، وقيل : الكبائر والفواحش واحد ، وإنّما التغاير باعتبار الوصف (٢)﴿وَإِذا ما غَضِبُوا﴾ على أحد ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ويحلمون ولا ينتقمون.
عن الباقر عليهالسلام : « من كظم غيضا وهو يقدر على إمضائه ، حشى الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة ، ومن ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا غضب ، حرّم الله جسده على النار» (٣).
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ حين دعاهم بلسان رسوله إلى الايمان والتسليم والطاعة ، وإنّما خصّه بالذكر مع أنّه عين الايمان المذكور في السابق ، لمزيد التشريف.
قيل : نزلت في الأنصار ، دعاهم الرسول صلىاللهعليهوآله إلى الايمان ، فاستجابوا له (٤).
وقيل : إنّ المراد الاستجابة عن صميم القلب ، وهو الرضا بقضاء الله ، بحيث لا تكون في قلبه منازعة في أمر من الامور (٥) .
﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ اليومية التي هي أهمّ الواجبات ورأسها ، إن قبلت قبل ما سواها. في الحديث: أوّل ما يحاسب العبد يوم القيامة بصلاته ، فان صلحت أفلح وانجح ، وإن فسدت خاب وخسر (٦).
﴿وَأَمْرُهُمْ﴾ إذا وقعت واقعة ﴿شُورى﴾ وتشاور ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لا يتفرّدون برأي ، ولا يقدمون على عمل إلّا بعد تبادل الآراء ، واجتماع ذوي الرأي منهم عليه ، وتصويبهم إيّاه.
في الحثّ على المشاورة في الامور
روى بعض العامة عن أمير المؤمنين عليهالسلام : « نعم الموازنة المشاورة ، وبئس الاستعداد الاستبداد»(٧) .
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ١٧٦ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٣٤ ، تفسير الصافي ٨ : ٣٢٧.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٣٣٠.
(٣) تفسير القمي ٢ : ٢٧٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٨.
(٤) تفسير أبي السعود ٨ : ٣٤ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٣١.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ١٧٦ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٣١.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ٣٣١.
(٧) تفسير روح البيان ٨ : ٣٣١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
