فقالوا : إنّ لك - يا رسول الله - في نفقتك ، وفيمن يأتيك من الوفود حاجة ، وهذه أموالنا مع دمائنا ، فاحكم بارّا مأجورا ، أعط ماشئت ، وأمسك ما شئت من غير حرج.
قال : فأنزل الله ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ يعني أن تودّوا قرابتي من بعدي ، فخرجوا فقال المنافقون : ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلّا ليحثنا (١) على قرابته من بعده ، إن هو إلّا شيء افتراه محمد في مجلسه. وكان ذلك من قولهم عظيما ، فأنزل الله تعالى : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾(٢) فبعث إليهم النبيّ صلىاللهعليهوآله فقال : هل من حدث ؟ فقالوا : إي والله يا رسول الله ، لقد قال بعضنا كلاما عظيما كرهناه ، فتلا رسول الله صلىاللهعليهوآله الآية ، فبكوا واشتدّ بكائهم ، فأنزل الله عزوجل : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ الآية» (٣).
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾
ثمّ أعلن سبحانه بفضله على المطيعين من المؤمنين بقوله : ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ الله دعاء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ إذا دعوه ، ويثيبهم على طاعتهم. قيل : شبّه سبحانه إثابة المؤمنين على طاعتهم باستجابة دعائهم ؛ لأنّ في طاعته طلب الثواب (٤)﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ على ما سألوه ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وكرمه.
وقيل : يعني ويستجيب المؤمنون لله بالطاعة ، ويزيدهم الله على ما استحقّوه من الثواب تفضّلا (٥) ، كما قال : ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ فكأنّه قال تعالى : والله يدعو إلى دار السّلام ، ويستجيب الذين آمنوا.
وقال بعض العامة : الزيادة مفسّرة بالشفاعة لمن وجبت له النار (٦). ورواه في ( المجمع ) عن النبيّ صلىاللهعليهوآله (٧).
وعن الباقر عليهالسلام في قوله : ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ قال : ] « هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب ، فيقول له الملك : آمين ، ويقول العزيز الجبّار : ولك مثلا ما سألت ، وقد أعطيت ما سألت لحبّك إياه » (٨).
ثمّ إنّه تعالى بعد إظهار لطفه بالمؤمنين ، أعلن بغضبه على الكفار بقوله : ﴿وَالْكافِرُونَ﴾ بالله ورسله
__________________
(١) في النسخة : ليحبنا.
(٢) الاحقاف : ٤٦ / ٨.
(٣) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ : ٢٣٥ / ١ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٥.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٣١٦.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٣١٦.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ٣١٧.
(٧) مجمع البيان ٩ : ٤٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٦.
(٨) الكافي ٢ : ٣٦٨ / ٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
