أقول : يحتمل أن يكون هذا وعدا من الله لرسوله صلىاللهعليهوآله بأنّه يمحو الباطل الذي عليه المشركون من البهت والفرية والتكذيب ، ويثبت الحقّ الذي كان عليه محمد صلىاللهعليهوآله ، أو القرآن الذي أتى به.
﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ومطّلع على الضمائر ، فيعلم ما في قلبك وقلوب أعدائك ، فيجري الأمر على حسب ذلك ، ولا يخفى عليه صدق نيّتك وسوء ظنّ المشركين في حقّك ، فيجزى كلّا على حسب ما في قلبه.
عن الباقر عليهالسلام - تأويل الآية - يقول : « لو شئت حبست عنك الوحي ، فلم تكلّم بفضل أهل بيتك ولا بمودّتهم ، وقال الله : ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ يقول : يحقّ لأهل بيتك الولاية ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يقول : بما ألقوه في صدورهم من العداوة لأهل بيتك والظّلم بعدك»(١) .
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾
ثمّ ندب سبحانه المشركين إلى التوبة ممّا هم فيه من الشرك وسوء الظنّ بالنبي بقوله : ﴿وَهُوَ﴾ الإله العطوف ﴿الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ العاصين ، ويتجاوز عن سيئاتهم التي تابوا منها ، وندموا عليها.
عن ابن عباس : هي عامة للمؤمن والكافر ، والوليّ والعدوّ ، فمن تاب منهم قبل الله توبته (٢) .
في شرائط التوبة المقبولة
روى بعض العامة عن جابر بن عبد الله الأنصاري : أنّ أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآله وقال : اللهمّ إنّي استغفرك وأتوب إليك ، وكبّر فلمّا فرغ من صلاته قال له علي عليهالسلام : « يا هذا ، إنّ اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين ، وتوبتك هذه تحتاج إلى التوبة » .
فقال : يا أمير المؤمنين ، ما التوبة ؟ قال : « التوبة تقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب بالندامة ، وعلى تضييع الفرائض بالإعادة ، وردّ المظالم ، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيّتها في المعصية ، وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كلّ ضحك ضحكته »(٣).
ثمّ بالغ سبحانه في إظهار الرأفة بعباده بقوله : ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ صغيرها وكبيرها ، لمن يشاء برحمته ، وإن لم يتوبوا ﴿وَ﴾ إنّه تعالى ﴿يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ من خير وشرّ ، فيجازي التائب ، ويتجاوز عن غير تائب حسبما تقتضيه مشيئته البليغة المبتنية على الحكم والمصالح.
عن الحسين بن علي سيد الشهداء عليهالسلام قال : « اجتمع المهاجرون والأنصار إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله
__________________
(١) الكافي ٨ : ٣٧٩ / ٥٧٤ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٤.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٣١٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ١٦٨ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٣١ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣١٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
