راجع ﴿إِلَى اللهِ﴾ من إثابة المؤمنين المحقّين ، وتعذيب الكفّار المبطلين يوم الفصل والقضاء (١) .
قيل : إنّ المراد فما أختلفتم فيه ، فتحاكموا إلى الرسول (٢) .
وقيل : يعني وما اختلفتم فيه من الامور التي لا ترتبط بالأحكام كمسألة الروح ، فقولوا : الله أعلم(٣) . وما اختلفتم فيه من المتشابهات ، فارجعوا إلى المحكمات ﴿ذلِكُمُ﴾ الحاكم بالحقّ ﴿اللهِ﴾ الذي هو ﴿رَبِّي﴾ وربّكم ﴿عَلَيْهِ﴾ خاصّة ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع اموري التي منها دفع شرّ الأعداء والمشركين ﴿وَإِلَيْهِ﴾ وحده ﴿أُنِيبُ﴾ وأرجع في جميع المهمّات والمعضلات ، ولمّا كان التوكّل أمرا وحدانيا مستمرا ، أتى بصيغة الماضي ، وأمّا الإنابة فهي متجدّدة حسب تجدّد الحوائج ، ولذا أتى بصيغة المضارع ، فكلوا أنتم يا أتباعي على الله ، وأنيبوا إليه.
﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ
أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقالِيدُ
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ (١١) و (١٢)﴾
ثمّ لمّا كان التوكّل التامّ والإنابة في جميع الامور والحوائج موقوفا على العلم بكمال قدرة الله ولطفه ورأفته ، عرّف سبحانه قدرته ورأفته. وعلمه بقوله : ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما و﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ وخلق لطفا بكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ومن جنسكم بقدرته ولطفه وإحسانه ﴿أَزْواجاً وَ﴾ حلائل ، وخلق ﴿مِنَ الْأَنْعامِ﴾ للأنعام ﴿أَزْواجاً﴾ وقيل : يعني وخلق لكم من الأنعام أصنافا أو ذكورا وإناثا (٤) ، لترتفقوا بها ، وهو بسبب الإزدواج ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ ويكثركم أيّها الناس والأنعام ، أو يبثّكم بهذا التدبير الذي به التوالد والتناسل ، و﴿فِيهِ﴾ وإنّما ذكر سبحانه كلمة ( فيه ) في محلّ ( به ) تنزيلا للتدبير والازدواج منزلة المعدن للبثّ والتكثير ، وفي استعمال ضمير ( كم ) الذي هو للخطاب إلى جماعة العقلاء ، مع أنّ الأنعام غير عقلاء ، وغائبة لتغليب العقلاء ، والخطاب على غير العقلاء والغيب (٥) .
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ وشبيه نظيره على تقدير وجود المثل والنظير له ﴿شَيْءٌ﴾ وموجود من الموجودات ، فكيف بأن لا يكون له مثل ونظير ؟ ففيه مبالغة في نفي المثل له تعالى. وقيل : إنّ الكاف
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٨ : ٢٤.
(٢و٣) تفسير الرازي ٢٧ : ١٤٩.
(٤) تفسير أبي السعود ٨ : ٢٤ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٩٢.
(٥) في تفسير روح البيان ٨ : ٢٩٣ : ففيه تغليبان ، تغليب المخاطب على الغائب ، حيث لم يقل يذرأكم وأياهن لأن الأنعام ذكرت بلفظ الغيبة ، وتغليب العقلاء على غيرهم ، حيث لم يقل يذرأها وأياكم فان ( كم ) مخصوص بالعقلاء.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
