﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ إشارة إلى الجهة الثانية.
ثمّ لمّا كان تنزيه الذات عن النقائص الامكانية مقدّما على كونه مفيضا للخيرات ، قدّم التسبيح الدالّ على التنزيه على الحمد الدالّ على فيّاضيّته.
وقيل : إنّ المراد باستغفارهم لأهل الأرض ، تأثيرهم في نظم أحوال العالم على النحو الأصلح والأصوب (١) .
وقيل : هو شفاعتهم في حقّ المؤمنين ، ودعاؤهم في حقّ الكفّار بأن لا يعجّل الله في عقوبتهم ، أو يوفّقهم للإيمان (٢) .
ثمّ حثّ سبحانه الناس على طلب المغفرة للذنوب ، وسؤال ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم من الله تعالى بقوله : ﴿أَلا﴾ أيّها الناس ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ﴾ وحده ﴿الْغَفُورُ﴾ للذنوب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين ، فتوجّهوا إليه واسألوه غفران ذنوبكم وخير دنياكم وآخرتكم.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ *
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ
الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٦) و (٧)﴾
ثمّ ذمّ سبحانه المشركين الذين توجّهوا إلى غيره ، وطلبوا الخير من الأصنام وهدّدهم بقوله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ واختاروا لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى مع أنّه ولي المؤمنين ﴿أَوْلِياءَ﴾ وجعلوا له شركاء ﴿اللهُ﴾ العظيم ﴿حَفِيظٌ﴾ ورقيب ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وعلى أحوالهم وأعمالهم لا يفوته شيء منها ، يحاسبهم عليها ﴿وَما أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من قبل الله ﴿بِوَكِيلٍ﴾ ومفوّض إليك أمرهم حتى تسأل عنهم وتؤاخذهم ، إنّما أنت منذر ، وعليك البلاغ ﴿وَكَذلِكَ﴾ الوحي الذي كان للأنبياء من قبلك بلسان قومهم ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمّد ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ وكتابا عظيم الشأن بلسان قومك ﴿لِتُنْذِرَ﴾ العرب الذين يسكنون ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ وأصل البلدان ، وهو مكّة ، لكون الأرض مدحوّة من تحتها ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ وفي أطرافها من سائر الأرض ﴿وَتُنْذِرَ﴾ الناس وتخوّفهم ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ والحشر الذي يجتمع فيه أهل السماوات وأهل الأرضين من الأولين والآخرين والجنّة والناس أجمعين ، فانّه لظهور وجوب وقوعه ﴿لا رَيْبَ﴾ فيه ، ولا مجال لشكّ يعتريه ، ثمّ إنهم بعد الجمع يفترقون فرقتين : ﴿فَرِيقٌ﴾ منهم - وهم المؤمنون - يدخلون ويسكنون ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ بفضل الله ﴿وَفَرِيقٌ﴾ آخر منهم -
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ١٤٥.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ١٤٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
