إيحاء هذه المطالب العالية والمباحث القدسية الإلهية ببيان معجز ، لا يصدر إلّا ممّن له كمال القدرة والعلم ، وإنّما أتى بصيغة المضارع مع أنّ المناسب ذكر لفظ الماضي ، بلحاظ ذكر الرسل السابقة ، للدلالة على أنّه عادته المستمرة وتجدّده وقتا بعد وقت.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكادُ السَّماواتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي
الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤) و (٥)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في تعظيم ما أوحي بتعظيم ذاته المقدسة بقوله : ﴿لَهُ﴾ تعالى بالملكية الإشراقية الإيجادية ﴿ما فِي السَّماواتِ﴾ السبع ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ظاهرها وباطنها ﴿وَهُوَ الْعَلِيُ﴾ والمرتفع عن أن تدركه العقول والأوهام ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي تصغر عنده العظماء ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ مع عظمهنّ وغاية ثخونتهنّ ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ ويتشققن من عظمته وخشيته ومهابته ﴿مِنْ﴾ العرش الذي هو في ﴿فَوْقِهِنَ﴾ إلى السماء الدنيا التي هي أسفل من كلّهن ، بأن لا تبقى سماء إلّا سقطت ، وإنّما خصّ بدو التفطّر بالعرش لظهور عظمته منه.
قيل : إنّ المراد من قوله : ﴿مِنْ فَوْقِهِنَ﴾ المبالغة في حصول الإشقاق إلى الجميع ، كقوله : ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾(١) .
وقيل : إنّ ضمير ( فوقهن ) راجع إلى الأرضين (٢)﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ الذين لا يعلم عددهم وعظمة خلقهم إلّا الله ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ وينزّهون مقرونا ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ عبودية وتعظيما له ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من المؤمنين ، كما عن الصادق عليهالسلام (٣) ، إشفاقا بهم.
في الحديث : « ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وفيه ملك واضع جبهته ساجدا لله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ » (٤) .
وقيل : إنّ المراد بالملائكة حملة العرش خاصة (٥) .
أقول : في الآية دلالة على أنّ كمال العبادة التوجّه إلى الله ، والاشفاق على الخلق.
قيل : إنّ الجواهر الروحانية لها جهتان : جهة الاستفاضة من المبدأ الأعلى ، وجهة الإفاضة إلى العالم الجسماني الأدنى (٦) ، فقوله تعالى : ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إشارة إلى الجهة الاولى ، وقوله :
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ١٤٤.
(٢) تفسير أبي السعود ٨ : ٢٢.
(٣) جوامع الجامع : ٤٢٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٦٧.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢٨٧.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٢٨٧.
(٦) الرازي ٢٧ : ٢٤٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
