رحمة الله وسعادة الدارين ، إذا تليت عليهم الآيات ، أو ذكرت عندهم المواعظ والعبر ، كأنّهم ﴿يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ عنهم غايته ، بحيث لا يكاد يسمع منه الكلام ، بل إنّما يسمع النداء والصوت.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾
ثمّ لمّا كان عناد المشركين وإنكارهم صدق القرآن وطعنهم فيه سببا لايذاء قلب النبي صلىاللهعليهوآله ، سلّاه سبحانه بقوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾ بن عمران التوراة ، وأنزلنا إليه ذلك ﴿الْكِتابَ﴾ لهداية قومه ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر ، كما اختلف قومك في كتابك ، فمنهم من صدّقه ، ومنهم من كذّبه ، فليس اختلاف قومك في صدق كتابك أمرا بديعا مختصا بقومك ، بل هي عادة قديمة للامم ﴿وَلَوْ لا كَلِمَةٌ﴾ وعدة ﴿سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ في حقّ امّتك المكذّبة بالإمهال وعدم استئصالهم بالعذاب في الدنيا بقوله : ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾(١) وقوله : ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾(٢) تالله ﴿لَقُضِيَ﴾ وحكم ﴿بَيْنَهُمْ﴾ باستئصال المكذّبين بالعذاب ، كما فعل بمكذبي الامم السابقة ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ ليسوا بقاطعين بكذب كتابك ، بل هم والله ﴿لَفِي شَكٍ﴾ من صدق كتابك وترديد ﴿مِنْهُ﴾ ترديد ﴿مُرِيبٍ﴾ وموقع قلبهم في الغلق والاضطراب ، فلا تستعظم استيحاشك من تكذيبهم ، واعلم أنّه ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً﴾ من الايمان بكتابك وتعظيمه ، والتمسّك به ، والعمل بأحكامه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ نفعه لا يتعدّى إلى غيره ﴿وَمَنْ أَساءَ﴾ وأعرض عنه ، وكفر به وطعن فيه ﴿فَعَلَيْها﴾ ضرره لا عليك ولا على أحد غيره.
ثمّ قرّر ذلك سبحانه بقوله : ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل هو العادل الذي لا يمكن منه الجور ، فلا يعذّب غير المسيء ، ولا المسيء زائدا على استحقاقه ، ولا يضيع أجر المحسنين ، ولا ينقص منه. قيل : من ظلم وعلم أنّه ظلم فهو ظلّام. وقيل : إنّ صيغة المبالغة باعتبار كثرة العبيد ، لا باعتبار كثرة الظلم. وقيل : إنّ اصله : وما ربك بظالم ، ثمّ نقل مع نفيه إلى صيغة المبالغة ، فكانت المبالغة راجعة إلى النفي ، والمعنى أنّ الظلم منفيّ عنه نفيا موكّدا مضاعفا (٣) .
__________________
(١) القمر : ٥٤ / ٤٦.
(٢) الأنفال : ٨ / ٣٣.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٢٧٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
