عن النبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال : « إذا غضبت وكنت قائما فاقعد ، وإن كنت قاعدا فقم ، واستعذ بالله من الشيطان » (١) .
ثمّ لما مدح سبحانه الدعوة إلى الله وإلى توحيده ، شرع في بيان أدلّة توحيده وقدرته وحكمته بقوله : ﴿وَمِنْ﴾ أدلّة توحيده و﴿آياتِهِ﴾ الدالّة على قدرته وحكمته ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهارُ﴾ وتعاقبهما ، وقد مرّ نكتة تقديم الليل.
ثمّ لمّا كان جمع من المشركين عبدة الشمس والقمر ، ذكرهما لمناسبة الليل والنهار بقوله : ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ دائبان بأمره ، ثمّ نهى عن عبادتهما بقوله تعالى : ﴿لا تَسْجُدُوا﴾ أيّها الناس ﴿لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ لأنّهما حادثان مربوبان مسخّران تحت أمر خالقهما ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ القادر ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَ﴾ بقدرته لنظام العالم ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بالسجود لهما لله تسجدون و﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فانّ السجود خضوع خاصّ بمقام الربوبية والالوهية ، لا يجوز لغير الله.
قيل : إنّ الصابئين كانوا يسجدون للنّيّرين (٢) ويقولون : إنّا نسجد لها ، ونقصد به السجود لله ، فنهوا عن عبادته بتلك الواسطة (٣) .
أقول : يمكن أن يقال : علّة سجودهم للنّيّران (٤) أوّل ابتداعه ذلك ، إلّا أنّه انتهى الأمر إلى الاعتقاد بخالقيتهما.
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ *
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٨) و (٣٩)﴾
ثمّ لمّا كان السجود لهما بهذا الاعتقاد من باب الاشتباه في المصداق ، حيث إنّهم كانوا يعتقدون أنّ مصداق الخالق هو الشمس مثلا ، والحال أنّه هو الله ، ففي الحقيقة كان سجودهم لله ، فيكون المراد إن كنتم تعبدون الخالق الذي هو الله في الواقع ، لا تسجدوا للشمس ، بل اسجدوا لله الذي هو تكوّن الشمس من مخلوقاته ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ وتعظّموا عن عبادة الله الذي تقول بألوهيته ، فانّه غنيّ عن عبادتهم وسجودهم له ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من الملائكة المقرّبين يعبدونه دائما و﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وينزّهونه عن الشريك ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ولا يملّون عن عبادته وتسبيحه.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٦٥.
(٢) النّيّرين : الشمس والقمر.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٢٦٦.
(٤) في النسخة : لينروان.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
