قيل : إنّ المراد إن استكبروا عن إطاعة أمرك ، ولم يسجدوا لله ، لا يقلّ بذلك عدد من يخلص عبادته لله (١) ، فانّ الملائكة المقرّبين مع كثرتهم وقربهم للشمس والقمر ، يعبدون الله ، ويسبّحونه دائما ، ولا يسجدون لهما.
ثمّ إنّه تعالى بعد الاستدلال بالآيات الفلكية ، استدلّ بالآيات الأرضية بقوله : ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ﴾ أيّها الانسان الشاعر البصير ﴿تَرَى الْأَرْضَ﴾ قبل نزول المطر عليها ﴿خاشِعَةً﴾ ومنحطّة يابسة لا نبات فيها ولا بركة ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ﴾ بالأمطار ﴿اهْتَزَّتْ﴾ وتحرّكت بالنبات والزّرع ﴿وَرَبَتْ﴾ وانتفخت بسبب انتشار اصول الحشائش والزروع فيها ، فتكون كالميت الذي نفخ فيه الروح فيحيي.
ثمّ استدلّ سبحانه على المعاد بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها﴾ بقدرته ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ من الأولين والآخرين يوم البعث ﴿إِنَّهُ﴾ من الأشياء من الإبداء والاعادة ﴿قَدِيرٌ﴾ لا تناهي لقدرته.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ
يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ
خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٠) و (٤٣)﴾
ثمّ لمّا ذكر سبحانه بعض آيات التوحيد ، هدّد المجادلين فيها بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ ويحرفون عن سبيل الحقّ بالطعن ﴿فِي آياتِنا﴾ وإلقاء الشّبهات فيها ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ ولا يسترون منّا ، ولا يغيبون عنا ، فنسوقهم يوم القيامة إلى النار ، ونلقيهم فيها ، إذن فانظروا أيّها العقلاء ﴿أَ فَمَنْ يُلْقى﴾ بالعنف ﴿فِي النَّارِ﴾ على وجهه ﴿خَيْرٌ﴾ مألا وأحسن حالا ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً﴾ من كلّ مكروه ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ويدخل في جنّة عدن ، لا شكّ أنّ الثاني خير.
ثمّ بالغ في التهديد بقوله : ﴿اعْمَلُوا﴾ أيّها الكفّار ﴿ما شِئْتُمْ﴾ من القبائح والفواحش ، فانّكم لا تخرجون من سلطان الله ، ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يعزب عنه مثقال ذرة من أعمالكم ، فيجازيكم عليها أسوأ الجزاء ، ولم يمنع استعجاله في العذاب إلا الحكمة ، فانّها اقتضت إمهالكم ، ولا يخاف الفوت.
ثمّ بالغ سبحانه في تهديد الملحدين في آياته ازديادا لإرعاب قلوبهم بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٦٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
