الدلائل عليه ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى﴾ والضلال وعدم البصيرة ، وآثروه ﴿عَلَى الْهُدى﴾ والبصيرة ، واختاروا الكفر ورجّحوه على الايمان.
عن الصادق عليهالسلام : « عرّفناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون » (١).
وعنه عليهالسلام : « عرّفناهم وجوب الطاعة ، وتحريم المعاصي ، وهم يعرفون » (٢).
﴿فَأَخَذَتْهُمْ﴾ عقوبتنا على كفرهم وطغيانهم ﴿صاعِقَةُ الْعَذابِ﴾ والداهية التي هي في إفادتها لهوانهم بلغت إلى مرتبة يصحّ أن يقال هي عين ﴿الْهُونِ﴾ والذّلّ ، وذلك الأخذ معلّل ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ويعملون من ترجيح الضلالة على الهدى ، واختيار الكفر والعصيان على الايمان والطاعة ﴿وَنَجَّيْنَا﴾ من ذلك العذاب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وبرسوله صالح ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشّرك والعصيان.
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ
عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٩) و (٢١)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد حكاية عذابهم الدنيوي ، أخبر عن عذابهم الاخروي بقوله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ والتقدير واذكر يا محمد لقومك يوم يحشر ويجمع الأقوام المذكورون الذين هم ﴿أَعْداءُ اللهِ﴾ ويساقون ﴿إِلَى﴾ شفير ﴿النَّارِ﴾ وباب من أبواب جهنّم ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ويحبسون في الطريق ليتلاحقوا.
عن الباقر عليهالسلام : « يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا »(٣) فهم كذلك ﴿حَتَّى إِذا ما﴾ حضروا النار ، و﴿جاؤُها﴾ أنكروا صدور الأعمال القبيحة منهم ، واستحقاقهم النار ، فعند ذلك ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ على رؤوس الأشهاد ﴿سَمْعُهُمْ﴾ واذنهم بما سمعت من الأقوال والأصوات المحرّمة ﴿وَأَبْصارُهُمْ﴾ بما بصرت من المحرمات ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ وقشور أبدانهم بما لا مست من المحرّمات و﴿بِما كانُوا﴾ في الدنيا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ من الجرائم والشرور.
قيل : إنّ المراد بالجلود سائر الجوارح والأعضاء (٤) ، فتخبر كلّ جارحة بما صدر من الأعمال السيئة
__________________
(١) التوحيد : ٤١١ / ٤ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٥.
(٢) اعتقادات الصدوق : ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٥.
(٣) تفسير الصافي ٤ : ٣٥٦ ، مجمع البيان ٩ : ١٢ ، وتفسير أبي السعود ٨ : ٩ ، لم ينسباه إلى أحد.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
