واستكبارهم ﴿بِآياتِنا﴾ المنزلة على الرسل ، أو دلائل توحيدنا وقدرتنا ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وينكرون عنادا ولجاجا ، فلمّا جمعوا بين التكبّر والغرور وإنكار الآيات ، صاروا مستحقين لعذاب الاستئصال ﴿فَأَرْسَلْنا﴾ غضبا ﴿عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ عقيما ﴿صَرْصَراً﴾ وباردا كما عن الباقر عليهالسلام (١) ، لها صوت شديد هائل في هبوبها ﴿فِي أَيَّامٍ﴾ وليال ﴿نَحِساتٍ﴾ ومشؤومات ، ليس فيها خير - على ما قيل - من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء ، الذي كان آخر الشهر (٢) . قيل : ما عذّب قوم إلّا في الأربعاء (٣) .
قيل : أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ، ودامت عليهم الرياح من غير مطر (٤) .
عن جابر بن عبد الله : إذا أراد الله بقوم خيرا أرسل عليهم المطر ، وحبس عنهم كثرة الرياح ، وإذا أراد الله بقوم شرّا حبس عنهم المطر ، وسلّط عليهم كثرة الرياح (٥) .
وعلى أيّ حال كان إرسال الريح عليهم ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ الله بها ﴿عَذابَ﴾ الاستئصال الذي كان سبب ﴿الْخِزْيِ﴾ والذّلّ لهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قبل عذاب الآخرة ﴿وَ﴾ والله ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ﴾ الذي أعدّ لهم في القيامة ﴿أَخْزى﴾ وأكثر إذلالا لهم وافتضاحا حال كونه في مشهد خلق الأولين والآخرين ﴿وَهُمْ﴾ حين ابتلائهم لا يعاونون على دفعه و﴿لا يُنْصَرُونَ﴾ من أحد بوجه من الوجوه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وإنّما عذّبهم الله بالريح لأنّهم اغترّوا بعظم أجسادهم وشدّة قوّتهم ، حتى ظنّوا أن شيئا لا يقاومهم ، فسلّط الله عليهم الريح ، لينبهّهم أنّهم لا يقاومون الريح التي هي أخفّ وألطف من سائر الأشياء ، فكيف بأجسام هي أثقل وأقوى منها ؟ فصارت تلك الأجسام العظيمة كريشة طير أو تبن في الهواء.
روي أنّ النبي صلىاللهعليهوآله كان يجثو على ركبتيه عند هبوب الرياح ، ويقول : « اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا ، اللهمّ اجعلها لنا رياحا ولا تجعلها ريحا » (٦) .
أقول : الظاهر أنّ ( الرياح ) إشارة إلى قوله تعالى : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾(٧) وإلى قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾(٨) و﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾(٩) وقوله : ﴿رِيحاً﴾ إشارة إلى قوله تعالى : ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾.
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ إلى الحقّ وإلى طريق الجنّة والراحة الأبدية ، بارسال الرسول ونصب
__________________
(١) تفسير القمي ٢ : ٢٦٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٥.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٤.
(٣) تفسير البيضاوي ٢ : ٣٥١ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٩ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٤.
(٤ و٥) تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٤.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٥.
(٧) الحجر : ١٥ / ٢٢.
(٨) الفرقان : ٢٥ / ٤٨.
(٩) الروم : ٣٠ / ٤٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
