والحال أنّه يمتنع أن يكون له ندّا وضدّا ﴿ذلِكَ﴾ الاله القادر الحكيم هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ وخالق الموجودات ومربّيها ، فكيف يتصوّر أن يكون أخسّ مخلوقاته ندا له وشريكا ﴿وَجَعَلَ فِيها﴾ جبالا ﴿رَواسِيَ﴾ وثوابت ﴿مِنْ فَوْقِها﴾ لتمنعها من الميلان ، ولتكون منافعها ظاهرة.
في بيان بدو خلق السماء والأرض ، وما فيهما ، وعدد الجبال
عن ابن عباس رضى الله عنه : أوّل ما خلق الله من شي القلم ، وقال له : اكتب - إلى أن قال - ثمّ بسط الأرض على ظهر النون ، وفاضطرب النون ، فمادت الأرض ، فأوتدت بالجبال (١) .
قيل : إنّ الله تعالى طوّق الأرض بجبل محيط بها ، وهو من صخرة خضراء (٢) .
وقيل : أوّل جبل نصب على وجه الأرض جبل أبو قبيس (٣) ، وإنّ مجموع الجبال التي عرفت في الاقاليم السبعة مائة وثمانية وسبعون جبلا (٤) . وقيل : عددها ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التّلول (٥) .
﴿وَبارَكَ﴾ سبحانه في الأرض وأكثر الخير ﴿فِيها﴾ بخلق أنواع الحيوانات والنباتات التي منها معايش الانسان ﴿وَقَدَّرَ﴾ في الارض ، وقسّم لمن يحتاج إلى القوت ﴿فِيها﴾ بقدرته وحكمته ﴿أَقْواتَها﴾ والأرزاق التي تتولّد منها وتوجد فيها من البرّ والشعير وغيرهما.
وقيل : إنّ المراد أقوات نفسها من المطر حيث إنّ الله قدّر لكلّ أرض حظّها من المطر(٦). وقيل : يعني الأقوات التي اختصّ حدوثها بأرض خاصة حيث إنّ الله جعل كلّ بلد معدنا لنوع من الأشياء المطلوبة لرغبة الناس في التجارة والضرب في الأرض لكسب الأموال (٧) ، كل ذلك ﴿فِي﴾ تتمّة ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ كاملة من أيام الدنيا ، وتلك الأيام استوت ﴿سَواءً﴾ بلا زيادة ونقصان.
القمي : يعني في أربعة أوقات ، وهي التي تخرج فيها أقوات العالم من الناس والبهائم - إلى أن قال - : وهو الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء - إلى أن قال - : وجعل الله هذه الأقوات في أربعة أوقات في الشتاء ، والربيع ، والصيف ، والخريف ، وقام به العالم واستوى وبقي ، وسمّى الله هذه الأوقات أياما ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ يعني المحتاجين ؛ لأنّ كلّ محتاج سائل ، وفي العالم من خلق الله من لا يسأل ولا يقدر على السؤال من الحيوان ، فهم سائلون وإن لم يسألوا (٨) .
وقيل : إنّ المراد أنّ الحصر في أربعة للسائلين عن مدّة خلق الأرض وما فيها (٩) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٢.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٢.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٣.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٢.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٣.
(٦) تفسير الرازي ٢٧ : ١٠٢.
(٧) تفسير الرازي ٢٧ : ١٠٣.
(٨) تفسير القمي ٢ : ٢٦٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٣.
(٩) تفسير أبي السعود ٨ : ٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
