عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول الله وأنا رديفة يقول : « خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة ، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل ، وأنا من الذين لم يسألوا ، ومن سأل جهل » (١) .
أقول : فيه دلالة على أنّ لام السائلين متعلقة بسواء.
وعن النبي صلىاللهعليهوآله - في حديث - : « الرزق أشدّ طلبا لصاحبه من صاحبه له » (٢).
﴿ثُمَ﴾ بعد خلق الأرض ﴿اسْتَوى﴾ سبحانه ، وتوجّه ﴿إِلَى﴾ خلق ﴿السَّماءِ﴾ وقصد نحوها بإرادته ومشيئته ﴿وَهِيَ﴾ في النظر ﴿دُخانٌ﴾ وأجزاء أرضية لطيفة متصاعدة في الهواء مع الحرارة ، وفي الواقع مادة ظلمانية. قيل : اريد به الأجزاء التي لا تتجزأ ، ومن ظلمتها إبهامها (٣) . وقيل : إنّ المراد من الدخان البخار المرتفع من الماء تشبيها له به (٤).
عن ابن عباس في جواب نافع بن الأزرق الحروري : أنّ أول ما خلق الله العرش على الماء ، والماء من جوهرة خضراء أذابها الله ، ثمّ ألقى فيها نارا ، فصار الماء يقذف بالغثاء والزّبد ، فخلق الأرض من الغثاء ، ثمّ استوى إلى الدّخان الذي صار من الماء ، فسمكه سماء ، ثمّ بسط الأرض ، فكان خلق الأرض قبل خلق السماء ، وبسط الأرض ، وأرسى الجبال ، وتقدير الأرزاق ، وخلق الأشجار والدوابّ والبحار والأنهار بعد خلق السماء (٥).
﴿فَقالَ﴾ الله ﴿لَها وَلِلْأَرْضِ﴾ حين اقتضاء الحكمة إيجادهما : ﴿ائْتِيا﴾ من زاوية العدم إلى عالم الوجود ، وكونا على ما ينبغي أن تأتيا وتكونا عليه من الشكل والوصف ، من كون الأرض مدحوّة وقرارا ومهادا ، والسماء مقيية وسقفا ، سواء كان إتيانكما وتكوّنكما ﴿طَوْعاً﴾ ورغبة إلى طاعة أمري ﴿أَوْ كَرْهاً﴾ وبغير رغبة ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ منقادين غير كارهين ، وهذا تمثيل لتأثير قدرته ونفوذ إرادته في إيجادهما ، وتشبيه له بالسلطان القاهر الذي يقول لأدنى رعيّته : لا بدّ لك من أن تفعل هذا شئت أم لم تشأ : فيقول : سمعا وطاعة.
ثمّ لا يخفى أنّ الآية مسوقة لبيان خلق السماء بعد خلق الأرض ، ولكن لمّا لم يبن كيفية خلق الأرض مع كمال عظمتها ، قرنه ببيان كيفية خلق السماء التي هي أعظم منها ، وفي بعض الروايات دلالة على أنّ الخطاب إلى السماء والأرض بعد خلقهما.
في حديث : « أنّ موسى قال : يا ربّ لو أنّ السماوات والأرض حيث قلت لهما : ائتينا طوعا أو كرها
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٤.
(٢-٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٥.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
