الأئمة الآخرة ، مع كونهما في الآية بقرينة الآيات السابقة واللاحقة كالنصّ في الاشراك بالله والدار الآخرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ *
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (٨) و (١١)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد تهديد المشركين ، وعد المؤمنين الموحّدين بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بوحدانية الله ﴿وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحاتِ﴾ المرضّيات عند الله ، الخالصات من شوب الشرك الجليّ والخفيّ ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليهم ، فينكدر بالمنّة ، لأنّه سمّى ما يعطيهم أجرا ، ولا منّة في الأجر.
قيل : نزلت في المرضى والزّمنى ، إذا عجزوا عن الطاعة ، كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون (١) . وقيل : إنّ المراد لهم أجر غير مقطوع ، أو غير محسوب عليهم (٢) ، كما قال تعالى : ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾(٣) .
ثمّ لمّا هدد سبحانه المشركين ، وبّخهم على إشراكهم مع دلالة الأدلّة القاطعة على توحيده بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ، للمشركين توبيخا لهم ﴿أَ إِنَّكُمْ﴾ أيّها المشركون ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ﴾ بقدرته وحكمته ﴿الْأَرْضَ﴾ مع عظمها وبسطها ﴿فِي﴾ مقدار ﴿يَوْمَيْنِ﴾ من أيّام الدنيا من الزمان تعليما للعباد التأنّي في الامور وترك العجلة ، وإلّا فمن المعلوم إمكان إيجادها في آن واحد.
قيل : خلق الله الأرض في يوم الأحد ، وبسطها في الاثنين (٤) . وقيل : إنّ المراد من اليومين دفعتين (٥) . والقمي قال : في وقتين ؛ ابتداء الخلق وانقضاؤه (٦) .
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ﴾ مع هذه القدرة الكاملة من الجمادات ﴿أَنْداداً﴾ وشركاء في الالوهية والعبادة ،
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ١٠٠ ، تفسير البيضاوي ٢ : ٣٤٩ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٤.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢٣٠.
(٣) الزمر : ٣٩ / ١٠ ، وفي النسخة : لهم أجرهم بغير حساب.
(٤) تفسير أبي السعود ٨ : ٦ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٣١.
(٥) تفسير أبي السعود ٨ : ٤ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٣١.
(٦) تفسير القمي ٢ : ٢٦٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
