أنّهم ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ عددا ﴿وَأَشَدَّ﴾ منهم ﴿قُوَّةً﴾ في الأبدان ﴿وَ﴾ أزيد منهم ﴿آثاراً﴾ باقية ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بعدهم من المدن والقصور والحصون والبساتين والقنوات والأنهار ﴿فَما أَغْنى﴾ وما دفع ﴿عَنْهُمْ﴾ العذاب ﴿ما كانُوا﴾ في مدّة أعمارهم ﴿يَكْسِبُونَ﴾ ويحصلون من الأموال والأولاد والعدد ، فلمّا لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة والدولة القاهرة إلّا الخيبة والخسار والبوار ، فكيف يكون حال الفقراء والضّعفة ؟
وقيل : إنّ كلمة ( ما ) في قوله : ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ استفهامية ، وفي قوله : ﴿ما كانُوا﴾ مصدرية ، والمعنى أي شيء أغنى عنهم كسبهم (١).
﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا
بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ
مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ
فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٣) و (٨٥)﴾
ثمّ بيّن سبحانه غرور المتكبّرين بقوله : ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ ودعوهم إلى دين الحقّ مستدلّين على صدقهم ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ والمعجزات الباهرات ﴿فَرِحُوا﴾ واغترّوا اولئك المتكبّرون ﴿بِما عِنْدَهُمْ﴾ ومالهم ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ بعقائدهم الفاسدة وشبهاتهم الباطلة ، أو بامور الدنيا وتدبيرها ، واستحقروا علم الرسل واستهزءوا بهم وبما أخبروا به من عذاب الدنيا والآخرة ﴿وَحاقَ﴾ وأحاط ﴿بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ من الأخبار بالعذاب الدنيوي والاخروي.
وقيل : إنّ المراد فرح الرّسل بعلمهم ، والمعنى أنّ الرّسل لمّا رأوا من قومهم غاية الجهل والاغماض عن الحقّ ، فرحوا بما أتوا من العلم ، وشكروا الله عليه ، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم (٢).
وقيل : إنّ المراد فرح الكافرين بما عند الرسل من العلم ، ومعنى فرحهم ضحكهم واستهزائهم به(٣).
﴿فَلَمَّا رَأَوْا﴾ اولئك الامم المهلكة ﴿بَأْسَنا﴾ وعذابنا الشديد النازل عليهم بأمرنا ﴿قالُوا﴾ اضطرارا ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ وصدّقنا بتفرّده في الالوهية واستحقاق العبادة ﴿وَكَفَرْنا بِما كُنَّا﴾ بسبب الايمان ﴿بِهِ﴾ وعبادته ﴿مُشْرِكِينَ﴾ بالله من الأصنام وبترّأنا منهم ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ ولم يمكن أن يفيدهم
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٩١ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٨٧ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٢٠.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٩١ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٨٧.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٩١ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٨٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
