تعالى هو ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وخلق ﴿لَكُمُ الْأَنْعامَ﴾ الثمانية ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ بعضا ﴿مِنْها﴾ كالإبل في الأسفار ﴿وَ﴾ بعضا ﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ كالبقر والغنم والمعز ، وإنّما غير النّظم في الجملة الثانية لرعاية الفواصل ، وللإشعار بأصالة الركوب. وقيل : إنّ المراد بالأنعام الإبل خاصّة (١) لكثرة استعمالها فيه ﴿وَلَكُمْ﴾ أيّها الناس ﴿فِيها مَنافِعُ﴾ كثيرة غير الركوب والأكل كالألبان والأوبار والأشعار والجلود ﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾ بتوسّط الأنعام وحمل أثقالكم ﴿عَلَيْها﴾ ونقلها من بلد إلى بلد ﴿حاجَةً﴾ كائنة ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ وقلوبكم من المعاملة والاسترباح ﴿وَعَلَيْها﴾ في البراري ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحار ﴿تُحْمَلُونَ﴾.
قيل : إنّ المراد بالحمل على الابل حمل النسوان والولدان ، ولذا فصل بينه وبين الركوب ، وذكر الفلك للمناسبة بينه وبين الإبل حتى قالوا : الابل سفينة البرّ ، وإنّما لم يقل : في الفلك (٢) ، لصحّة استعمال ( في ) و( على ) في المقام ، وكون ( على ) هنا للمزاوجة ، وإنّما أدخل على الركوب والبلوغ حرف التعليل ، لأنّهما قد يكونان لأغراض دينية كالجهاد والحجّ بخلاف الأكل وسائر المنافع ، فانّها من المباحات ، فلا يعدّان من الأغراض الإلهية.
﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ * أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ
كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما
أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨١) و (٨٢)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد ذكر الدلائل الكثيرة على توحيده وقدرته وحكمته ، نبّه على ظهور تلك الآيات والدلائل بقوله تعالى : ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ الله أيّها الناس بلطفه ﴿آياتِهِ﴾ ودلائل توحيده ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ فانّ كلا منها في (٣) غاية الظهور بحيث لا يجترئ على إنكارها من له عقل ، وإنّما أضاف الآيات إلى اسمه الجليل ، لتربية المهابة ، وتهويلا لانكارها.
ثمّ لمّا كان سبب إنكار الآيات ليس إلّا الكبر وحبّ الدنيا والرئاسة ، وبخهم على ترك التفكّر في وخامة عاقبة المتكبّرين بقوله تعالى : ﴿أَ فَلَمْ يَسِيرُوا﴾ قيل : إنّ التقدير اقعدوا في مكانهم ، فلم يسيروا ولم يسافروا (٤)﴿فِي﴾ أقطار ﴿الْأَرْضِ﴾ للتجارة وغيرها ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ نظر الاعتبار ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ المتكبّرين والمتمرّدين ﴿الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فانّها لم تكن إلّا الهلاك والبوار مع
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٨٩ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٨٦.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢١٨.
(٣) في النسخة : من.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢١٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
