حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة.
قيل : إنّ المراد مثل ضلال آلهتهم عنهم ، يضلّهم الله عن آلهتهم حتى أنّهم لو طلبوها أو طلبتهم لم يجد أحدهما الآخر (١) وقيل : يعني يضلّهم عن طريق الجنّة (٢).
﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا
أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٥) و (٧٧)﴾
ثمّ التفت سبحانه من الغيبة إلى الخطاب إلى الكفّار في الدنيا مبالغة في توبيخهم وتقريعهم بقوله : ﴿ذلِكُمْ﴾ الضلال أيّها الكفرة ، أو العذاب الشديد الذي ابتليتم به في الآخرة من الأغلال والسلاسل والجرّ إلى الحميم والحرق بالنار جزاء ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَفْرَحُونَ﴾ وتبطرون ﴿فِي﴾ وجه ﴿الْأَرْضِ﴾ وفي زمن الحياة ﴿بِغَيْرِ الْحَقِ﴾ وبعين الباطل من الشرك بالله الطّغيان عليه وعلى رسله ﴿وَبِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَمْرَحُونَ﴾ وتتكبّرون عن قبول دين الحقّ ، أو تتوسّعون في البطر والأشر بحيث تغفلون عن إتيان هذا اليوم والابتلاء بشدائده وأهواله (٣) ، فالحال ﴿ادْخُلُوا﴾ أيّها الكفرة جزاء على كفركم وفرحكم بشرككم وبطركم في الباطل ﴿أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة ، وهي مفتوحة ومقسومة لكم من أيّ باب شئتم حال كونكم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ومقيمين بها أبدا ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن قبول الحقّ وإطاعة الله ورسله ، وساء منزلهم ومأواهم جهنّم.
ثمّ لمّا كان جدال المشركين في آيات التوحيد والرسالة سببا لتأثر قلب الرسول سلّاه سبحانه بقوله : ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ، على أذى المشركين وإيحاشهم إيّاك بتلك المجادلات ، فانّا نخذلهم وننصرك عليهم ، واعلم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ بنصرك وتعذيبهم ﴿حَقٌ﴾ وصدق لا خلف فيه أبدا ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ في هذه الدنيا ﴿بَعْضَ﴾ العذاب ﴿الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ كالقتل والأسر فذاك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن تراه ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ بعد الخروج من الدنيا ، فنعذّبهم بأعمالهم أشدّ العذاب ، وننتقم منهم أشدّ الانتقام.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ
عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢١٢.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٨٨.
(٣) في النسخة : بشدائدها واهوالها.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
