في الآيات ، وتهديدهم بعذاب الآخرة بقوله : ﴿أَ لَمْ تَرَ﴾ يا محمد ، أو أيّها الرائي ، ولم تنظر نظر التعجّب والعبرة ﴿إِلَى﴾ المشركين ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ ويخاصمون ﴿فِي آياتِ اللهِ﴾ الواضحة المقتضية للإيمان بها ، الزاجرة عن الجدال والمكابرة فيها ، أنّهم ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ عن تلك الآيات والتصديق بها ، وكيف يعرضون عنها ؟ أعني بالمجادلين المشركين ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ﴾ المنزل من السماء مع دلائل الصدق ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ من سائر الكتب والأحكام ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوء عاقبة تكذيبهم وجدالهم ، وعن قريب يرون مآل كفرهم وطغيانهم ، وذلك ﴿إِذِ﴾ تجعل ﴿الْأَغْلالُ﴾ وحين توضع القيود من النار ﴿فِي أَعْناقِهِمْ.﴾ قيل : تغلّ أيديهم إلى أعناقهم مضمونة إليها (١)﴿وَالسَّلاسِلُ﴾ أيضا تجعل عليهم حال كونهم ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ويخرّون على الأرض على وجوههم بعنف ، يجرّهم الملائكة الزبانية وخزنة جهنّم ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ والمائع المتناهي في الحرارة.
قيل : في كلمة ( في ) إشعار بإحاطة حرارة النار أو الماء لجميع جوانبهم ، كأنّهم في عين الحميم ويسحبون فيها (٢).
وعن مقاتل : ﴿يُسْحَبُونَ* فِي الْحَمِيمِ﴾ أي في حرّ النار ، كما في قوله تعالى : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾(٣) .
﴿ثُمَ﴾ إنّه بعد جرّهم بالسلاسل إلى الحميم ﴿فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ويحرقون ، ففي الآيات دلالة على أنّهم يعذّبون بأنواع العذاب.
﴿ثُمَ﴾ بعد إحراقهم في النار ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ تقريعا وتوبيخا : أيّها المشركون ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِ اللهِ﴾ رجاء شفاعتهم ، أو إعانتهم إياكم في الشدائد ، ادعوهم اليوم ليشفعو لكم ، أو يعينوكم ، وينجوكم من العذاب ﴿قالُوا﴾ في جواب خزنة جهنّم تحسّرا وندامة : إنّ أصنامنا ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ وغابوا عن أبصارنا ، فلا نعرفهم ، وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم وأصنامهم ، أو المراد من الضلال الهلاك ، والمعنى هلكوا وضاعوا عنّا ، فنزّل عدم نفعهم لهم منزلة عدمهم ، ثمّ قالوا : ﴿بَلْ﴾ الآن تبيّن لنا أنّا ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا﴾ ونعبد ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ وفي الدنيا ﴿شَيْئاً﴾ قابلا للعبادة ، بل الاعتناء والاعتداد. قيل : إنّ المراد مما كنّا مشركين ﴿كَذلِكَ﴾ الضلال والتحيّر الذي يكون لهم في الآخرة حتى يفزعوا إلى الكذب ، مع علمهم بأنّه لا ينفعهم ﴿يُضِلُّ اللهُ﴾ ويحيّر ﴿الْكافِرِينَ﴾ في الدنيا والمشركين
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢١١.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٢١١ ، والآية من سورة القمر : ٥٤ / ٤٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
