يخلق أعضاءكم منها ، ويصوّركم فيه ، وينفخ فيكم الروح ، ويحييكم ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ﴾ من رحم امّكم حال كونكم ﴿طِفْلاً﴾ صغيرا عاجزا عن جلب نفع أو دفع ضرر ﴿ثُمَ﴾ يبقيكم في الدنيا ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ وكمال قوتكم الظاهرية والباطنية ، وهو حدّ الشباب.
قيل : هو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين (١) . وقيل : من إحدى وعشرين سنة إلى ثلاث وثلاثين (٢) .
﴿ثُمَ﴾ يبقيكم ﴿لِتَكُونُوا شُيُوخاً﴾ قيل : إنّ الشيخوخة من خمسين أو إحدى وخمسين إلى الموت ، أو إلى ثمانين (٣)﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ ويقبض روحه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أن يتولّد ، فيسقط جنينا ، أو من قبل بلوغ الأشدّ ، أو من قبل الشيخوخة ﴿وَ﴾ ذلك الأطوار في الخلق ﴿لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾ ووقتا معينا في تقدير الله لا تتجاوزونه ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتفهمون ما في ذلك الانتقال من طور إلى طور من فنون الحكم والعبر ، وتستدلّون به على خالقكم القدير الحكيم.
ثمّ لمّا وصف سبحانه ذاته المقدسة بالحياة الذاتية ، نبّه على أنّ حياة كلّ حي وموته بقدرته بقوله: ﴿هُوَ﴾ تعالى وحده القادر ﴿الَّذِي يُحْيِي﴾ كلّ ميت أراد احياءه ﴿وَيُمِيتُ﴾ كلّ حيّ أراد إماتته.
ثمّ بيّن سبحانه نهاية سهولة خلق الأشياء وتغييرها والتصرّف فيما عليه بقوله : ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً﴾ قدّر شيئا ، أو أراد تكوينه وإيجاده ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ ويريد وجوده بالارادة التكوينية ﴿فَيَكُونُ﴾ ويوجد بلا ريث وتأخير وتوقف على شيء ، سواء كان ذلك الأمر عظيما كالسماوات والأرضين ، أو حقيرا كالذرّة ، أو تغييرا كتغيير التّراب وصيرورته دما ، وصيرورة الدم نطفة ، وصيرورة النّطفة علقة ، أو تبديلا كإعدام هذا العالم ، أو إعدام الخلق وإيجاد عالم آخر ، أو خلق آخر.
﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ
ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٦٩) و (٧٤)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد حكمه في أول السورة المباركة بكفر المجادلين في الآيات ، وبيان كونهم مبغوضين عنده وعند المؤمنين ، وكون قلوبهم مطبوعة ، وبيان علّة جدالهم ، وهو التعظّم والتكبّر عن طاعة الله ورسوله في وسطها ، وبعد ذكر الآيات الدالة على توحيده ، عاد إلى ذمّ المشركين المجادلين
__________________
(١-٣) تفسير روح البيان ٨ : ٢٠٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
