ثمّ بيّن سبحانه رفعة شأن المستدليّن بالآيات ، والمتفكّرين فيها ، وعدم تساويهم مع الجهّال المقلّدين بقوله : ﴿وَما يَسْتَوِي﴾ الكافر الذي هو ﴿الْأَعْمى﴾ قلبه عن رؤية الآيات ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي يراها بعين قلبه ، ويتفكّر فيها ﴿وَ﴾ كذا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحاتِ﴾ وبادروا إلى الحسنات ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ في العقائد والأعمال ، وهم الكفّار والعصاة ، فلو لم يكن حشر ومعاد ودار الجزاء ، لزم تساوي الفريقين ، وهو باطل ببديهة العقل ، فأنتم - أيّها الكفار المجادلون - تعلمون عدم التساوي بين العالم والجاهل والمحسن والمسيء ، ولكن ﴿قَلِيلاً ما﴾ ومقدارا يسيرا ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ وتتنبّهون إلى ما يلزمه من صحّة المعاد ، وإنّما قدّم ذكر المؤمن المحسن على المسيء لمجاورة البصير.
وقيل : إنّ المراد أنّ المشركين يعلمون أنّ العلم خير من الجهل ، وأنّ العمل الصالح خير من العمل السيء ، ولكن لا يميّزون بين العلم والجهل ، والعمل الصالح والسيّء فيعتقدون الجهل والتقليد علما ومعرفة ، والحسد والكبر صالحا وطاعة (١).
وقيل : إنّ ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ في معنى لا يتذكّرون أصلا ، كما يقال : هو قليل الحياء ، والمراد أنّه لا حياء له (٢).
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ * وَقالَ رَبُّكُمُ
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
داخِرِينَ (٥٩) و (٦٠)﴾
ثمّ لمّا أثبت سبحانه إمكان المعاد بتوضيح كمال قدرته وسهولته ، أخبر بوقوعه بقوله : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ والقيامة ﴿لَآتِيَةٌ﴾ البتة ﴿لا رَيْبَ﴾ ولا مجال للشك ﴿فِيها﴾ وفي إتيانها ، لوضوح شواهدها ، واتقان براهينها ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ وهم الكفّار المنكرون له ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ باتيانها ، لقصور أنظارهم ، وشدّة تعصّبهم ، وإلفهم بما اعتقده آباؤهم.
ثمّ إنّه تعالى بعد إتيان إمكان المعاد ، والإخبار بوقوعه ، أمر الناس بعبادته المنجية من أهواله بقوله: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ :﴾ أيّها الناس ﴿ادْعُونِي﴾ وحدي لحوائجكم ، واعبدوني خالصا مخلصا لنجاتكم من الشدائد ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ودعاءكم ، واقض حوائجكم ، إما في الدنيا أو في الآخرة ، وانجكم من شدائدهما ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ويستنكفون ﴿عَنْ عِبادَتِي﴾ التي منها الدعاء ، ويتعظّمون عن
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٧٩.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ١٩٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
