من قبل الله مع أنّ التكلّم فيها وفي أمر الدين لا بدّ أن يكون بسلطان مبين وبرهان متين ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ﴾ وما في قلوبهم ﴿إِلَّا كِبْرٌ﴾ وتعظّم من قبول الحقّ ، وتبعية الرسول ، والتفكّر والنظر الصحيح في معجزاته وكلماته ، بل إرادة الرئاسة والتقدّم عليه ، مع أنّه ﴿ما هُمْ﴾ بمدركي غرضهم من الكبر والتعظّم ، وليسوا ﴿بِبالِغِيهِ﴾ وهو إبطال الآيات والإخلال في أمر نبوتك وإذلالك ، فإنّي ناشر آياتك ، ومشرق نورك ، ورافع منزلتك في الناس ، ومعلّ قدرك في الآفاق ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ والتجأ إليه من شرّهم وكيدهم فانّه القادر على دفعهم وعلى كلّ شيء و﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمقالك ومقال أعدائك ﴿الْبَصِيرُ﴾ باهتمامك في التبليغ واهتمام أعدائك في المنع عنه ، فيجازيك أفضل الجزاء ، ويجازي أعداءك أسوأه.
قيل : إنّ المراد بالمجادلين اليهود ، فانّهم كانوا يقولون للنبيّ صلىاللهعليهوآله : لست صاحبنا المذكور في التوراة ، بل هو المسيح بن داود ، أو يوسف بن مسيح بن داود (١) .
وقيل : إنّهم أرادوا الدجّال الذي يخرج في آخر الزمان وقالوا : إنّه يبلغ سلطانه البرّ والبحر ، وتسير معه الأنهار ، وهو آية من آيات الله ، فيرجع إلينا الملك (٢) .
وقيل : إنّ المراد بقوله : ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ التجئ إليه من فتنة الدجّال ، فإنّه ليس فتنة أعظم من فتنته (٣) .
وروت العامة أحاديث عن النبيّ صلىاللهعليهوآله في الاستعاذة من فتنة الدجّال وخروجه وكيفية إفتتان الناس به (٤) .
﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
* وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا
الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٧) و (٥٨)﴾
ثمّ لمّا كان أكثر مجادلة المشركين في البعث وإمكان المعاد وإنكار الآيات الدالة عليه ، استدلّ سبحانه عليه بقوله : ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ﴾ السبع مع سعتها وعظمتها ﴿وَ﴾ خلق ﴿الْأَرْضِ﴾ بطبقاتها وضخامتها ﴿أَكْبَرُ﴾ وأعظم ﴿مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ثانيا ، ومن هو قادر على الأعظم قادر على خلق الأصغر والأضعف ، وهذا من أعظم البراهين على صحة المعاد والبعث وإمكانه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المنكرين للمعاد ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ كون إعادة الناس أسهل وأهون ، لقصور نظرهم ، وفرط غفلتهم ، ولذا يقولون : ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾(٥) ؟
__________________
(١-٤) تفسير روح البيان ٨ : ١٩٧.
(٥) يس : ٣٦ / ٧٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
