الدنيا شيئا ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ الذي نحن فيه. فأجابتهم الخزنة و﴿قالُوا﴾ بعد مدة طويلة - على ما قيل - توبيخا لهم (١) : ﴿أَ وَلَمْ تَكُ﴾ قيل : إنّ التقدير ألم تنبّهوا على هذا ، ولم تك (٢)﴿تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ في الدنيا واحدا بعد واحد مستدلّين على صدقهم ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ والحجج الظاهرة فيما أخبروكم من سوء عاقبة الكفر والتكذيب ؟ ! ﴿قالُوا﴾ كلّهم : ﴿بَلى﴾ أتونا وأخبرونا فكذّبناهم ، إذن ﴿قالُوا﴾ إقناطا لهم : إذا كان الأمر كذلك ، فلا ترجوا منّا هذا الدعاء ، لاستحالته علينا ﴿فَادْعُوا﴾ أنتم لأنفسكم ما تريدون ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ﴾ في حقّ أنفسهم ، أو دعاء غيرهم لهم بتخفيف العذاب أو رفعه عنهم ﴿إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ وضياع ، لأنّه لا يجاب ، لوجوب تعذيبهم على الله بمقتضى الحكمة والعدل.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ * يَوْمَ لا
يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥١) و (٥٢)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان عدم إجابته دعاء الكفّار وإعراضه عنهم في الآخرة بيّن لطفه برسله وبالمؤمنين بهم بقوله : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ كما نصرنا موسى ﴿وَ﴾ ننصر ﴿الَّذِينَ﴾ اتّبعوهم و﴿آمَنُوا﴾ بهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ونغلّبهم على أعدائهم بالظّفر بالحجّة والقوة ، ولو في العاقبة.
عن ابن عباس : أنّه لم يقتل من الأنبياء إلّا من لم يؤمر بقتال ، وكلّ من امر بقتال نصر (٣).
﴿وَ﴾ ننصرهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ بإعلاء درجتهم وإكرامهم في مجمع الخلق ، أو المراد يوم إقامة الشهود على تبليغهم ، والعمل بما كان وظيفتهم من الملائكة والنبيين ، كما قال الله تعالى : ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾(٤) إلى آخره.
عن الصادق عليهالسلام : « ذلك في الرجعة ، أمّا علمت أن أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا ، وأئمّة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا ، وذلك في الرجعة » (٥).
ثمّ عرّف سبحانه اليوم بما فيه فرح الرسل والمؤمنين بقوله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ الذين هم أعداؤهم ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عن كفرهم وطغيانهم على الرسل والمؤمنين ، لعدم قبولها إن اعتذروا ، ولذا لا يعتذرون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، وقيل : إنّهم يعتذرون في وقت ، ولا يؤذن لهم في الاعتذار في وقت آخر (٦)﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والبعد عن الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وشرّ المقام ، لكونهم أسوأ الناس وشرّ الخلق ، بخلاف المؤمنين فانّهم تقبل معذرتهم عن خطاياهم ، بل تقبّل شفاعتهم ، ولهم الرحمة ،
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ٨ : ١٩٢.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ١٩٣.
(٤) النساء : ٤ / ٤١.
(٥) تفسير القمي ٢ : ٢٥٩ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٤٥.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ١٩٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
