الحديد فشقّوا بها لحومهم من أبدانهم ، فذلك ما قال تعالى : ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ به لمّا وشوا إلى فرعون ليهلكوه ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾ وهم الذين وشوا بحزقيل إليه ، لمّا أوتد فيهم الأوتاد ، ومشّط عن أبدانهم لحومها بالأمشاط (١) .
وعن الصادق عليهالسلام قال : « والله لقد قطّعوه إربا إربا ، ولكن وقاه الله أن يفتنوه عن دينه » (٢) .
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
الْعَذابِ (٤٦)﴾
ثمّ بيّن سبحانه تعذيبه القوم في البرزخ بقوله : ﴿النَّارُ﴾ بعد هلاك فرعون وقومه ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ ويعذّبون ويحرقون بها في البرزخ ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وفي أول النهار وآخره.
قيل : إمّا يعذّبون بين الوقتين بعذاب آخر ، أو ينفّس عنهم (٣) .
وقيل : إنّه كناية عن الدوام ، كما في قوله تعالى (٤) : ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾(٥) . وقيل : إنّ المراد بالعرض الإظهار والإراءة (٦) .
وعن ابن مسعود : أنّ أرواح آل فرعون في أجواف طير سود ، يعرضون على النار مرّتين ، فيقال : يا آل فرعون ، هذه داركم (٧) .
وفي حديث عامي : « أنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ ، إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة ، وإن كان من أهل النار فمن النار ، يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة»(٨).
أقول : لعلّ المراد من الطير السود القوالب المثالية ، وإنّما عبّر عنها بالطير لسرعة سيرها وارتفاعها في الجوّ.
عن الصادق عليهالسلام : « ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة ، لأنّ في النار القيامة لا يكون عذوّا وعشيا » ثمّ قال : « إن كانوا يعذّبون في النار غدوا وعشيا ، ففيما بين ذلك هم [ من ] السعداء ، ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة ، ألم تسمع قوله تعالى : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ... ؟ !﴾ » (٩) .
وعن الباقر عليهالسلام : « أنّ لله تعالى نارا بالمشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفّار ، ويأكلون من زقّومها ، ويشربون من حميمها ليلهم ، فاذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له برهوت ، أشدّ حرّا من
__________________
(١) الاحتجاج : ٣٧٠ ، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليهالسلام : ٣٥٧ / ٢٤٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٤٣.
(٢) تفسير القمي ٢ : ٢٥٨ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٤٢.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ١٨٩.
(٤) تفسير الرازي ٢٧ : ٧٣.
(٥) مريم : ١٩ / ٦٢.
(٦-٨) تفسير روح البيان ٨ : ١٨٩.
(٩) مجمع البيان ٨ : ٨١٨ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٤٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
