بالعذاب عقوبة على كفرهم وهمّهم بالرسل ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ربّك الذي عاقبهم به بعد ما رأيت آثاره من خراب الديار ومحو الآثار عبرة للنظّار ، ألم يكن مهلكا مستأصلا لهم؟
﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ * الَّذِينَ
يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا
سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ
السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦) و (٩)﴾
ثمّ وعد سبحانه النبي صلىاللهعليهوآله بأخذه قومه كما أخذ اولئك الامم بقوله : ﴿وَكَذلِكَ﴾ العذاب الذي حقّ وثبت على اولئك الامم ﴿حَقَّتْ﴾ ووجبت ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ ووعده بالعذاب ﴿عَلَى﴾ قومك ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بربّهم ، وتحّزبوا عليك ، وجادلوك بالباطل لأجل ﴿أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ﴾ ومستحقّوها أشدّ الاستحقاق.
وقيل : إنّ المراد مثل وجوب العذاب الدنيوي على الامم السابقة ، وجبت كلمة ربّك على اولئك الكفرة ، وهي كونهم أصحاب النار في الآخرة (١) .
ثمّ لمّا حكى سبحانه شدّة استنكاف المشركين عن التوحيد ، وعداوتهم للموحّدين ، بيّن رأفة الملائكة بالموحّدين ، وشفقتهم عليهم من أن يبتلوا بعذاب النار ، ورحمتهم عليهم بقوله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ والجسم المحيط بعالم الوجود ، منه ينزل قضاء الله وقدره ، واولئك الحملة في الدنيا أربعة على قول (٢) ، وثمانية على آخر (٣) ، وفي الآخرة ثمانية بالاتّفاق (٤)﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ وفي جوانبه من الملائكة المكرمين. قيل : هم سبعون ألف صفّ من مائة ألف صفّ ، قد وضعوا أيمانهم على شمائلهم (٥)﴿يُسَبِّحُونَ﴾ الله وينزّهونه من كلّ ما لا يليق بشأنه الجليل مقرنين تسبيحهم ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ على نعمائه التي لا تتناهى. قيل : كلّ يسبّح بما لا يسبّح به الآخر(٦)﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إيمانا حقيقا بحالهم ومقامهم ، وإنّما صرّح بايمانهم مع كفاية تسبيحهم وتحميدهم عنه ، إظهارا لفضيلة الايمان
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٣٠.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ١٥٥.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٣١.
(٤) تفسير الرازي ٢٧ : ٣١ ، تفسير روح البيان ٨ : ١٥٥.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ١٥٦.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ١٥٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
