يهاجر منه إلى بلد آخر يتمكّن فيه من ذلك ، كما هو سنّة الأنبياء والصالحين ، ويصير على مفارقة الوطن المألوف ، والبعد من الأحبّة والأقارب ومشاقّ الطاعة ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ على البلايا والمحن في حفظ دينه والعمل بطاعة الله ويعظون ﴿أَجْرَهُمْ﴾ كاملا بمقابلة ما كابدوا من الصبر ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وإحصاء لعجز المحاسبين عنه.
روي عن النبي صلىاللهعليهوآله « أنّه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحجّ ، فيوفّون بها اجورهم ، ولا تنصب لأهل البلاء ، بل يصبّ عليهم الأجر صبّا حتى يتمنّى أهل المعافاة في الدنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض ممّا يذهب به أهل البلاء من الفضل » (١) .
قيل : لمّا نزل ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾(٢) قال النبي صلىاللهعليهوآله « ربّ زد لامّتي » فنزل : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾(٣) إلى آخره. فقال : «ربّ زد لامّتي» فنزل : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾(٤) فقال :«ربّ زد لامّتي» فنزل : ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فانتهى رسولصلىاللهعليهوآله(٥) .
وعن الصادق عليهالسلام. قال « قال رسول صلىاللهعليهوآله : إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ، ولم ينشر لهم ديوان » (٦) .
في فضيلة الصبر
وعنه صلىاللهعليهوآله : « إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس (٧) فيأتون باب الجنة فيضربونه فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الصبر. فيقال لهم : على ما صبرتم ؟ فيقولون كنا نصبر على طاعة الله ، ونصبر على معاصي الله. فيقول الله عزوجل : صدقوا ، ادخلوا الجنة ، وهو قول الله عزوجل : ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ » (٨) .
أقول : ظاهر الروايتين الأخيرتين أنّ المراد من قوله : ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أنّهم لا يقومون يوم القيامة في مقام الحساب ، ولا يحاسبون على شيء من أعمالهم.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١١) و (١٣)﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٥٤ ، تفسير البيضاوي ٢ : ٣٢١ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٤٦ ، تفسير روح البيان ٨ : ٨٥.
(٢) الأنعام : ٦ / ١٦٠.
(٣) البقرة : ٢ / ٢٦١.
(٤) البقرة ٢ : ٢ / ٢٤٥.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٨٥.
(٦) مجمع البيان ٨ : ٧٦٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣١٧.
(٧) أي جماعة منهم.
(٨) الكافي ٢ : ٦٠ / ٤ ، عن الصادق عليهالسلام ، تفسير الصافي ٤ : ٣١٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
