ثمّ إنّه تعالى بعد الأمر بالتقوى ، والتأكيد في ملازمة العبادة ، أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بتبليغ وجوب الاخلاص فيها بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ، للمشركين ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ من قبل ربّي ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ وامتثل أوامره ونواهيه حال كوني ﴿مُخْلِصاً﴾ وممحضا ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ والعبادة من الشرك الرياء والأغراض الدنيوية ﴿وَأُمِرْتُ﴾ من قبله تعالى ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وأقدمهم في التسليم والانقياد له تعالى ، كي أكون أقدمهم في الآخرة في نيل الثواب والدخول في الجنة.
قيل : إنّ لام ﴿لِأَنْ أَكُونَ﴾ ليست زائدة ، بل هي للتعليل. والمعنى : إنّما امرت بالعبادة والإخلاص فيها ، لأجل أن أكون مقدّما في الدنيا والآخرة (١) .
روى أنّ كفّار مكة قالوا للنبيّ صلىاللهعليهوآله : ما يحملك على الذي أتيتنا به ؟ الّا تنظر إلى ملة آبائك وسادات قومك يعبدون الّلات والعزّى ، فتأخذ بتلك الملّة ، فنزلت (٢) .
ثمّ هدّد سبحانه الناس على ترك العبادة الخاصة بأمر نبيّه صلىاللهعليهوآله باظهار خوف نفسه من العقوبة على تركها مع كونه حبيب الله وصفيّه بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ، للمشركين ﴿إِنِّي﴾ مع عظم شأني وعلوّ قدري عند الله ﴿أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بترك العبادة الخالصة واشرك غيره فيها ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الدواهي والأهوال ، فأنتم أولى بالخوف منّي. وفيه غاية التهديد والزجر عن العصيان.
﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ *
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا
عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٤) و (١٦)﴾
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بالإخبار بالتزامه بامتثال ما أمر به من العبادة الخالصة ، وإعراضه عما يعبد من دونه ، قطعا لطمح المشركين من موافقته عليهالسلام لهم بقوله : ﴿قُلِ﴾ يا محمد ﴿اللهَ﴾ الذي خلقني وربّاني وكفاني بالخصوص ﴿أَعْبُدُ﴾ امتثالا لأمره حال كوني ﴿مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ وعبادتي من شوب الشّرك والرياء والهوى ، وأرى هذا صلاحي ، فان وافقتموني عليه فقد نلتم سعادة الدارين ، وإلّا ﴿فَاعْبُدُوا﴾ يا معشر الكفار ﴿ما شِئْتُمْ﴾ أن تعبدوه ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأوثان والملائكة والشمس والقمر وغيرها من مخلوقاته ، وسترون سوء عاقبة عبادتكم.
ثمّ لمّا كان الكفّار يقولون : خسرت يا محمّد حيث خالفت دين آبائك. أمره سبحانه بجوابهم بقوله :
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٤٧.
(٢) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٥٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
