ثمّ أكّد سبحانه وحدته وقدرته بقوله : ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ من آلهتكم وغيرها ، ومالك جميع الموجودات ، ومدبّر جميع العوالم ، وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب في أمر من الامور ، فلا يكون لشيء عزّة ولا قوة ولا غلبة بوجه من الوجوه.
ثمّ إنّه تعالى بعد ترهيب المشركين بتوصيف ذاته المقدسة بالقهارية ، رغّبهم بالتوبة بتوصيف ذاته بالغفارية ، كأنه قال : هو مع قهاريته ، وعظمة سلطنته ، وكمال قدرته على الانتقام ﴿الْغَفَّارُ﴾ لمن خالفه وعصاه ، ومع عفوه ستّار لقبائح أعماله إذا تاب وآمن وعمل صالحا. في الحديث : « إذا قال العبد : يا رب اغفر لي. قال الله : أذنب عبدي ذنبا ، فعلم أنّ له ربا يغفر الذنوب وما يؤاخذ (١) به ، أشهدكم أنّي قد غفرت له » (٢) . وإنّما قدّم ذكر وصف القهارية لمناسبته للانذار.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ، للمشركين : إنّ القرآن الذي جئتكم به ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ وخبر ذو فائدة مهمة ، وذو شأن جسيم ، نازل من الله الكريم ، ينبّئكم بالتوحيد والنبوة والمعاد ، وكيفية الحشر والجنة والنار ، والعلوم الكثيرة والحكم الوفيرة ، والأحكام والأخلاق والآداب ، وكلّ ما تحتاجون إليه من امور المعاش والمعاد و ﴿أَنْتُمْ﴾ أيّها المشركون لانغماركم في الضلال ﴿عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ولتصلّبكم في دينكم به لا تعتنون ، مع أنّ جميع الامور المذكورة من أعظم موجبات السعادة ، والجهل بها من أعظم أبواب الشّقاوة ، وبداهة العقل تحكم بوجوب النظر والتفكّر فيها وعدم جواز المساهلة فيها والتغافل عنها.
﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا
نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾
ثمّ استدلّ سبحانه على أنّ القرآن كلام الله تعالى ، وأنّه نازل منه إليه بالوحى بقوله : ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ﴾ ما بوجه من الوجوه ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ وأحوال الملائكة الساكنين في السماوات العلى ، ومكالماتهم بطريق السماع من العلماء وقراءة الكتب والحضور عندهم ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وحين يقولون لله بعد قوله : ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(٣) أ تجعل فيها خلقا تغلب عليهم الشهوة والغضب ، فيفسدون فيه ويسفكون الدماء ، ونحن مطهّرون من الرذيلتين ومنزّهون ممّا يترتّب عليهما من قبائح الأعمال ، ومع ذلك نسبّحك ونقدّس لك. فردّه الله بقوله : ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾(٤) وإنّما
__________________
(١) في تفسير روح البيان : ويأخذ.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٥٥.
(٣) البقرة : ٢ / ٣٠.
(٤) البقرة : ٢ / ٣٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
