عبّر سبحانه عن تلك المكالمة بالمخاصمة ، لكونها بصورة الاعتراض والردّ ، وإن كان غرض الملائكة السؤال عن الحكمة.
عن الباقر عليهالسلام - في حديث المعراج - : « قال : يا محمّد. قلت : لبيك ، قال : فيما اختصم الملأ والأعلى ؟ قال : قلت : سبحانك لا علم لي إلّا ما علّمتني : قال : فوضع يده - أي يد القدرة - بين كتفيّ ، فوجدت بردها بين ثدييّ. قال : فلم يسألني عمّا مضى وعمّا بقي إلّا علمته ، فقال : يا محمّد ، فيما اختصم الملأ الأعلى ؟ قال : قلت : في الكفارات والدرجات والحسنات »(١) .
وفي رواية ( المجمع ) : « فأمّا الكفارات فإسباغ الوضوء في السّبرات (٢) ، ونقل الأقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وأمّا الدرجات فإفشاء السّلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والناس نيام » (٣) .
وعلى أي تقدير ، لا يتصوّر لي طريق إلى العلم بهذه الامور المذكورة في الكتب السماوية إلّا بالوحي من الله إليّ و﴿إِنْ يُوحى إِلَيَ﴾ وما ينزل هذه المغيبات عليّ ﴿إِلَّا﴾ لأجل ﴿أَنَّما أَنَا﴾ رسول من الله إليكم ﴿نَذِيرٌ﴾ لكم من عذاب الله على الكفر والعصيان ﴿مُبِينٌ﴾ وظاهر إنذارتي ورسالتي عندكم بالدلائل الموضّحة لها والمعجزات الباهرة.
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ
رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ
اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ
بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ * قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ
الدِّينِ * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى
يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ * قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٧١) و (٨٥)﴾
__________________
(١) تفسير القمي ٢ : ٢٤٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٠٩.
(٢) السّبرات : جمع سبرة ، الغداة الباردة.
(٣) مجمع البيان ٨ : ٧٥٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٠٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
