﴿وَ﴾ أمّا شرح حال الطاغين مع أعدائه المؤمنين ، فهو أنّهم إذا نظروا إلى أطراف جهنّم لا يرون المؤمنين ﴿قالُوا﴾ تعجّبا وتوبيخا ﴿ما لَنا﴾ وأيّ حال عرض علينا بسببه ﴿لا نَرى﴾ في جهنم ﴿رِجالاً﴾ كانوا في الدنيا و﴿كُنَّا﴾ فيها ﴿نَعُدُّهُمْ﴾ ونحسبهم ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾ والمفسدين لمخالفتهم إيّانا في الدين ، وسبّهم آلهتنا ، وتشتيت شملنا ، وإلقاء البغضاء بيننا. وقيل : أرادوا بالأشرار فقراء المسلمين الذين كانوا يعدّونهم من الأراذل والسّفلة الذين لا خير فيهم ، ويسخرون منهم كسلمان وبلال وأضرابهما (١)﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ وما كانوا كما توهّمنا ، فلم يدخلوا النار ﴿أَمْ﴾ دخلوها و﴿زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ وانحرفت عنهم الأنظار ، فلم نلتفت إليهم.
وقيل : إنّ المراد توبيخ أنفسهم عن الاستسخار منهم في الدنيا أو تحقيرهم فيها ، والمعنى أي الأمرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أو الازدراء بهم وتحقيرهم ، فأنكروا كلا من الفعلين على أنفسهم توبيخا لها (٢) .
وقيل : إنّ ( أم ) منقطعة ، والمعنى اتخذناهم سخريا ، بل زاغت عنهم أبصارنا في الدنيا تحقيرا لهم ، وكانوا خيرا منّا ونحن لا نعلم (٣)﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ الذي حكينا وأخبرنا بوقوعها يوم القيامة ﴿لَحَقٌ﴾ وصدق وواقع البتة ، وهو ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ وجدا لهم فيها بعضهم مع بعض.
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٥) و (٦٨)﴾
ثمّ لمّا ذكر سبحانه قصص الأنبياء الذين صبروا على البلايا والمحن ، تسلية للنبي ، وحثا له على الصبر على أذى قومه ، وذكر بعده ثواب الايمان والتقوى ، وعقاب الكفر والعصيان لما ذكر ، وليصير داعيا للكفار الى الايمان ، ورادعا لهم عن الكفر ومخالفة الرسول ، عاد إلى بيان الرسالة والتوحيد بقوله تبارك وتعالى : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ، للمشركين ﴿إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَ﴾ مخوّف لكم من عذاب الله على الكفر والعصيان ، وقل لهم : ﴿ما مِنْ إِلهٍ﴾ ومعبود بالاستحقاق في عالم الوجود ﴿إِلَّا اللهُ﴾ الذي هو ﴿الْواحِدُ﴾ ذاتا وصفاة بحيث لا يمكن تصوّر الكثرة والتعدّد فيه بجهة من الجهات أصلا ، وهو ﴿الْقَهَّارُ﴾ لكلّ شيء ، والغالب على كلّ شيء بقدرته يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء ، فكيف تدّعون له شركاء ولا تخافون قهره وعقابه ؟ !
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٥٣.
(٢) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٣٣ ، تفسير الصافي ٨ : ٥٤.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٥٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
