عاد مكانه حيا (١).
﴿هذا﴾ الذي قلنا للمتّقين في الآخرة ، وأمّا الكفّار فبيّن سبحانه أنّهم في ضدّ حال المتّقين بقوله : ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ على الله ، والمكذّبين للرسل ، والمتجاوزين عن الحدّ في العصيان ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وأسوأ مرجع بعد الموت ، وإن كانوا في الدنيا أحسن حالا من المؤمنين ، واعلموا أنّ مآبهم ﴿جَهَنَّمَ﴾ التي لا شرّ منها ، وهم ﴿يَصْلَوْنَها﴾ ويدخلون فيها بعنف ، لأنّهم مهّدوها لأنفسهم في الدنيا ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ والفراش جهنّم. قيل إطلاق المهاد والفراش عليها من التهكّم والسّخرية (٢) .
﴿هذا﴾ الذي هيّئناه لهم وأحضرناه عندهم ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ وليطعموه ، وهو ﴿حَمِيمٌ﴾ ومائع متناه في الحرارة والحرقة ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ ومائع متناه في البرودة. عن ابن عباس : هو الزّمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرّها (٣) . وقيل : إنّه ما يسيل من قيح أهل النار (٤) .
وقيل : إنّه مائع منتن لو قطرت قطرة منه في المشرق لأنتنت أهل المغرب (٥) .
وعن كعب : أنّه عين في جهنم يسيل إليها سمّ كلّ ذي سمّ من عقرب وحيّة (٦) .
والقمي ، قال : الغسّاق : واد في جهنّم فيه ثلاثمائة وثلاثون قصرا ، في كلّ قصر ثلاثمائة بيت ، في كلّ بيت أربعون زاوية ، في كلّ زاوية شجاع (٧) في كلّ شجاع ثلاثمائة وثلاثون عقربا ، في حمة (٨) كلّ عقرب ثلاثمائة وثلاثون قلّة من سمّ ، لو أنّ عقربا منها نفحت سمّها على أهل جهنّم لوسعهم سمّها (٩) .
قيل : إنّ في الآية تقديما وتاخيرا ، والمراد هذا حميم وغسّاق فليذوقوه (١٠) .
﴿وَ﴾ عذاب ﴿آخَرُ﴾ أو مذوق آخر من مثل هذا العذاب أو المذوق ، و﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ في التعذيب والإيلام والشدّة والفظاعة ﴿أَزْواجٌ﴾ وأجناس مختلفة. قيل : إنّه صفة للحميم والغسّاق والعذاب الآخر(١١) .
﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ * قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا
مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٥٩) و (٦٠)﴾
ثمّ لمّا بيّن سبحانه سوء حال الكفّار في أنفسهم ، بيّن حالهم مع أتباعهم ومواليهم الذين كانوا معهم
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٥٠.
(٢و٣) تفسير روح البيان ٨ : ٥١.
(٤و٥) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٢١ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٣٢ ، تفسير روح البيان ٨ : ٥١.
(٦) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٢١.
(٧) الشّجاع : ضرب من الحيات.
(٨) الحمة : الإبرة التي تضرب بها العقرب.
(٩) تفسير القمي ٢ : ٢٤٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٠٦.
(١٠) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٢١.
(١١) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٢١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
