لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٥) و (٤٩)﴾
ثمّ ذكر سبحانه أحوال جمع من الأنبياء العظام بقوله : ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمّد ﴿عِبادَنا﴾ المخلصين ﴿إِبْراهِيمَ﴾ كيف ابتلي بنار نمرود ﴿وَإِسْحاقَ﴾ كيف ابتلي بالمصائب العظيمة ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ كيف ابتلي بفراق يوسف حتّى ابيضّت عيناه من الحزن مع أنّهم كانوا ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ والقوة في العبادة ﴿وَ﴾ ذوي ﴿الْأَبْصارِ﴾ والمعارف الإلهية ﴿إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ﴾ وبرّأناهم من حبّ الدنيا والشهوات ورذائل الأخلاق ، أو محّضناهم لنا بسبب صفة كريمة ﴿بِخالِصَةٍ﴾ من الخصال العالية التي لا شوب فيها ، وهي ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ الآخرة ، بحيث نسوا الدنيا وما فيها ، بل نسوا أنفسهم.
وقيل : إنّ المراد خصصناهم بفضيلة وكرامة خالصة لهم ، وهي ذكرهم بالعظمة وعلوّ الرّتبة في الدار الآخرة ، أو في الدنيا إلى يوم القيامة استجابة لدعائهم بقوله : ﴿وَاجْعَلْ﴾ لنا ﴿لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾(١) .
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا﴾ وفي علمنا ، أو في نظرنا ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ والمختارين من أولاد آدم والمتجبين من الخلق ، لكمال قربنا ، والتمحّض لعبادتنا ، وتحمّل أعباء رسالتنا ، ومن ﴿الْأَخْيارِ﴾ الذين لا يتمشّى منهم إلّا ما فيه رضا ربهم وصلاح دينهم ونفع أبناء جنسهم ، وفي الوصفين دلالة على عصمتهم ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمّد جدّك ﴿إِسْماعِيلَ﴾ بن إبراهيم ﴿وَالْيَسَعَ﴾ بن أخطوب خليفة إلياس - على ما قيل - نبيّ من أنبياء بني إسرائيل (٢)﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قيل : هو إلياس (٣) . وقيل : إنّه ابن عمّ اليسع (٤) وقيل : إنّه يوشع (٥) وقيل : إنّه ابن ايوب (٦) ، كيف قاسوا الشدائد والآفات ، وصبروا على البلايا والأذيات ﴿وَكُلٌ﴾ منهم ﴿مِنَ الْأَخْيارِ﴾ المشهورين بالخير والصلاح ﴿هذا﴾ المذكور من افتتان الانبياء وصبرهم على المحن ﴿ذِكْرٌ﴾ وعظة لك وتذكرة وتسلية لقلبك ، حيث إنّ من شأنك أن تصبر على ما لا يصبر عليه غيرك.
قيل : إنّ المراد هذا الذي تلونا عليك ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء يذكرون به إلى آخر الدهر (٧) .
ثمّ سلّاه سبحانه بذكر المثوبات التي تترتّب على التقوى وإطاعة أحكام الله الموجبة للصبر عليها بقوله : ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمطيعين لأوامر الله ونواهيه مع مالهم من الشرف والذّكر الجميل ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومرجع بعد الخروج من الدنيا.
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ٢١٧ ، والآية من سورة الشعراء : ٢٦ / ٨٤.
(٢) تفسير البيضاوي ٢ : ٣١٤ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٣٠ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٧.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٤٧.
(٤) تفسير البيضاوي ٢ : ٣١٤ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٣١ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٧.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٤٧.
(٦) تفسير البيضاوي ٢ : ٣١٤ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٧.
(٧) تفسير روح البيان ٨ : ٤٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
