عن الصادق عليهالسلام : أحيا الله أهله الذين ماتوا قبل البلية ، وأحيا الله الذين ماتوا حين البلية (١) وكان ذلك ﴿رَحْمَةً﴾ عظيمة ﴿مِنَّا﴾ عليه. قيل : يعني لرحمة عظيمة عليه من عندنا (٢)﴿وَ﴾ ليكون ﴿ذِكْرى﴾ وعظة وعبرة ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ ليصبروا على الشدائد كما صبر أيوب ، ويلجأوا إلى الله فيما نزل بهم كما لجأ أيوب إليه ، ليفعل بهم ما فعل به من حسن العاقبة ، كما تمّ لمّا حلف أيوب أن يضرب (رحمة) زوجته لتقصير توهّمه في حقّها ، كما مرّ تفصيله في سورة الأنبياء ، وكان مغتما على حلفه بعد اطّلاعه على عذرها فيه ، كشف الله غمّه بقوله : ﴿وَخُذْ﴾ يا أيوب ﴿بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ وحزمة أو قبضة من ريحان أو حشيش يكون عدده مائة ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ رحمة وأبرّ قسمك ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ في يمينك.
ثمّ مدحه سبحانه بالصبر والقيام بوظائف العبودية والرجوع إلى الله وعدم الشكوى إلى غيره بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ على البلايا (٣) العظام التي أصابته في نفسه وأهله وماله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ إلى الله رجّاع إليه لا إلى غيره.
روي عن ابن مسعود أنّه قال : أيوب رأس الصابرين إلى يوم القيامة (٤) .
روي أنّه لمّا كشف الله البلاء عن أيوب خطر في قلبه أنّه حسن صبره فيما نزل عليه من البلاء فنودي : يا أيوب ، أأنت صبرت أم نحن صبّرناك ؟ يا أيوب ، لو لا أنّا وضعنا تحت كلّ شعرة من البلاء جبلا من الصبر لم تصبر (٥) .
وفي قوله : ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ دلالة على أنّه علّة مدحه بالعبودية. قيل : لمّا نزل ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ في حقّ سليمان ، وفي حقّ أيوب ، عظم الغمّ في قلوب المؤمنين ، وقالوا : لا سبيل لنا إلى تحصيل هذا الشرف ؛ لأنّ سليمان ناله بملك لا ينبغي لأحد بعده ، وأيوب ناله بالصبر على البلايا (٦) التي نزلت عليه ، ولا نقدر على أحدهما. فأنزل الله تعالى : ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾(٧) والمراد أنّك إن لم تكن نعم العبد ، فانّا نعم المولى ، وإن كان منك تقصير ، فمنّي الرحمة والتيسير (٨) .
﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ * إِنَّا
أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ *
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ * هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ
__________________
(١) تفسير القمي ٢ : ٢٤٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٠١.
(٢) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٢٩ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٢.
(٣) في النسخة : البلاء.
(٤و٥) تفسير روح البيان ٨ : ٤٥.
(٦) في النسخة : البلاء.
(٧) الأنفال : ٨ / ٤٠.
(٨) تفسير الرازي ٢٦ : ٢١٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
