كثرته (١) .
وقيل : إنّ المراد من المنّ والإمساك بالنسبة إلى الشياطين المقيّدين ، والمعنى امنن على من شئت منهم بفكّه ، وأمسك من شئت منهم في القيد (٢)﴿وَ﴾ مع ذلك ﴿إِنَّ لَهُ عِنْدَنا﴾ في الدنيا ﴿لَزُلْفى﴾ وقربة حيث إنّهمن المرسلين المكرمين ﴿وَ﴾ له ﴿حُسْنَ مَآبٍ﴾ بعد الموت ، وفي الآخرة.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ *
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ * وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤١) و (٤٤)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد تسلية النبيّ صلىاللهعليهوآله بافتتان داود وسليمان بزلّتهما مع ما كان لهما من النبوة والسلطنة ، وسلامة نبينا منه ، أمر النبي صلىاللهعليهوآله بالصبر على الأذى ببيان صبر أيوب عليهالسلام بقوله : ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمّد ﴿عَبْدَنا أَيُّوبَ﴾ بن آموص من ولد إسحاق ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ودعاه ، وكان دعاؤه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾ وأصابني ﴿الشَّيْطانُ﴾ بنفخة فيّ ، أو بدعائه ﴿بِنُصْبٍ﴾ وتعب ومشقّة ﴿وَعَذابٍ﴾ ومرض موجع وألم شديد ، وأنت أرحم الراحمين ، كما في سورة الانبياء ، فاستجابنا وقلنا له : يا أيوب ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ واضربها على الارض بقوة ، فضربها فنبعت عين من محلّ ضرب رجله ، فقلنا له : ﴿هذا﴾ الماء الذي خرج من العين ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾ تغتسل به ﴿وَشَرابٌ﴾ تشرب منه ، فاغتسل في ذلك الماء يبرأ ظاهرك ، واشرب منه يبرأ باطنك.
وقيل : مغتسل بارد يبرّد حرارة الظاهر ، وشراب يبرّد حرارة الباطن (٣) فاغتسل من الماء وشرب منه ، فذهب ما به [ من ] الداء من ظاهره وباطنه ، فقام صحيحا سالما من الأمراض ، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان (٤) .
عن ابن عباس رحمهالله : مكث أيوب في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات ، لم يغمّض فيهنّ ، ولم ينقلب في المدّة من جنب إلى جنب (٥) ، فكشفنا ما به من ضرّ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ﴾ وأولاده الذين هلكوا حين ابتلائه بهدم البناء عليهم ﴿وَ﴾ وهبنا ﴿مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فكان له من الأولاد ضعف ما كان قبل البلاء.
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٢٨ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٩.
(٢) تفسير الرازي ٢٦ : ٢١١.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٤١.
(٤و٥) تفسير روح البيان ٨ : ٤١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
