حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٣٥) و (٤٠)﴾
ثمّ سأل الله تبارك وتعالى أهمّ حوائجه الاخروية حيث ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ زلاتي التي لا تليق بمقام نبوّتي ، ثمّ أردفه بطلب ما فيه إصلاح امور دنياه وقوة ترويجه للدين بقوله : ﴿وَهَبْ لِي﴾ يا ربّ ، وأعطني ﴿مُلْكاً﴾ وسلطانا عظيما ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾ من خلقك ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ ويكون أرفع من أن يناله غيري حتّى تكون لي معجزة دالة على صدق نبوتي ، ووسيلة لا نجاح مقاصدي من هداية خلقك ، ورفع الظلم وإشاعة العدل ، وترويج الدين ﴿إِنَّكَ﴾ لا تردّ دعائي ومسألتي لأنّك ﴿أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وكثير العطاء لا نقص في خزائنك ، ولا بخل في ساحتك ، ولا مانع من جودك ﴿فَسَخَّرْنا﴾ وذللّنا ﴿لَهُ الرِّيحَ﴾ إجابة لدعائه بحيث ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حال كونها ﴿رُخاءً﴾ أو طيبة ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾ سليمان وقصد من البلاد والأماكن البعيدة ﴿وَ﴾ سخّرنا ﴿الشَّياطِينَ﴾ له ، أعني ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ منهم ، ليبني له ما أراد من الأبنية ﴿وَ﴾ كلّ ﴿غَوَّاصٍ﴾ يغوص في البحر فيخرج له اللاليء والمرجان والنفائس ﴿وَآخَرِينَ﴾ منهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ومقيّدين ﴿فِي الْأَصْفادِ﴾ والقيود.
ومن المعلوم أنّ لطافة أجسامهم لا تنافي صلابتها ، بحيث يقدرون على تحمّل الأشياء الثقيلة ، كحمل ملك بلاد قوم لوط ، ونرى الرياح تحمل الأحجار الثقيلة في الغاية وتخريب الأبنية العظيمة ، ولا ينافي تقييدهم بالقيود التي لا يقدرون على قطعها وكسرها.
وقيل : إنّ تقييدهم كناية عن منعهم من الشرور والفساد (١) بحيث لا يقدرون على شيء منها.
ثمّ قلنا له : ﴿هذا﴾ الملك العظيم ﴿عَطاؤُنا﴾ الخاصّ بك ، لم نعطه أحدا قبلك ، ولا نعطه أحدا بعدك ﴿فَامْنُنْ﴾ وأعط ما شئت لمن شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ وامنع ما شئت عمّن شئت حال كونك متلبّسا ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ومأخذة على شيء من عطائك ومنعك ، لتفويض التصّرف إليك على الإطلاق.
عن ابن عباس : أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب ، لا حرج عليك فيما أعطيت ، وفيما أمسكت (٢) .
قيل : ما أنعم الله على أحد نعمة إلّا كانت عليه تبعة إلّا سليمان فان أعطى اجر عليه ، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة (٣) .
وقيل : إنّ قوله : ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ متعلق بعطائنا ، والمعنى أنّ هذا العطاء لا يمكن حسابه لغاية
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٢٧ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٧.
(٢) تفسير الرازي ٢٦ : ٢١١.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٣٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
