فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾
ثمّ لمّا حكى سبحانه شدّة إنكار المشركين للحشر حتّى بلغوا في إنكارهم إلى أن استهزءوا بأخبار النبي صلىاللهعليهوآله به ، شرع في الاستدلال على لزوم الحشر بقوله : ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ خلقا ﴿باطِلاً﴾ وعبثا بلا حكمة فيه ﴿ذلِكَ﴾ الخلق الباطل والعبث ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ﴾ وهلاك ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ﴾ عذاب ﴿النَّارِ﴾ لكفرهم وإنكارهم الحشر ، بل إنّما كان خلق العالم عن حكمة بالغة ، وهي تكميل الاستعدادات وفعليّتها ، فالنفوس الزكية بالمعارف والعلم والعمل يرتقون إلى مدارج كمال الانسانية والسعادة ، والنفوس الخبيثة ينحطّون إلى مهاوي دركات الحيوانية والشقاوة ، ومن المعلوم أنّه لا بدّ لكلّ من الكمال والنقص والإرتقاء والانحطاط أثر ونتيجة ، قابل لأن يصير منظورا للعقلاء ، ومتعلقا لهم ، ولو لم يكن عالم آخر لاستوى الناقص والكامل ، والشقي والسعيد ، وهذا في غاية القبح ، كما أشار إليه سبحانه بقوله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والمعاصي ، لا والله لا نجعلهم سواء ، لكونه خلاف العدل ، والله الحكيم منزّه عنه ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ من ربّهم وعذابه بالعمل بالطاعات واجتناب السيئات ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ وأهل الفسوق والطغيان ، حاشا لا يجوز التسوية بينهما على الله لكونه قبيحا في الغاية ، فلا بدّ من عالم آخر يثاب فيه المؤمن والمتقي بأفضل الثواب ، ويجازى فيه المفسد والفاجر بأسوأ الجزاء ، ويرى كلّ منهم نتيجة أعمالهم.
روي أنّ كفّار قريش قالوا للمؤمنين : إنّا نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون ، بل أكثر ، فردّهم الله بقوله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ﴾ إلى آخره (١) .
أقول : ويمكن كون قولهم هذا على سبيل الاستهزاء ، أو على تقدير وقوع الآخر.
عن الصادق عليهالسلام قال : « لا ينبغي لأهل الحقّ أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل ، لأن الله لم يجعل عنده أهل الحقّ بمنزلة أهل الباطل ، ألم يعرفوا وجه قول الله في كتابه إذ يقول : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره ؟ ! » (٢) .
﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ * وَوَهَبْنا لِداوُدَ
سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ *
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ * رُدُّوها
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٤.
(٢) الكافي ٨ : ١٢ / ١ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٩٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
