عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٢٩) و (٣٣)﴾
ثمّ لمّا بيّن سبحانه العلوم الكثيرة في القرآن من المعارف وأدلّة التوحيد والمعاد ، وخصائص الأنبياء ، وتفضلّاته عليهم ، وقصصهم ، بيّن فضل القرآن ، وكونه نازلا منه ، لدلالة ما فيه عليه بقوله : ﴿كِتابٌ﴾ قيل : إنّ التقدير هذا القرآن (١) كتاب ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ بتوسّط جبرئيل ﴿إِلَيْكَ﴾ يا محمّد ﴿مُبارَكٌ﴾ وكثير الخير والنفع الديني والدنيوي ، لمن آمن به وصدّقه ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ ويتفكّروا فيها بالفكر السليم عن التعصّب والعناد ، فيعرفوا ما فيها من المطالب العالية واللطائف الفائقة والبيانات الرائقة ، فيومنوا به ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ ويتّعظ بمواعظه ويعتبر بما فيه ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ وأصحاب العقول السليمة عن شوائب الأوهام ، وإنّما خصّ سبحانه الاتّعاظ به والعمل بما فيه باولي الألباب ، لتوقّفه على العقل الغالب على الأهواء الزائغة والشهوات المردية.
ذكر بعض أحوال داود عليهالسلام
ثمّ عاد سبحانه تعالى بعد الاستدلال على المعاد والرسالة إلى ذكر أعظم تفضلّاته على داود عليهالسلام بقوله تعالى : ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾ وأنعمنا عليه بذلك الولد الذي كان خليفة له ووارث نبوته وسلطنته.
روي أنّ داود عاش مائة سنة ، ومات يوم السبت ، وكان له غرفة ومحراب يصعد فيه وينزل ، وكان يوم السبت في محرابه إذ جاءه ملك الموت وقال : جئتك لأقبض روحك فقال : دعني حتّى أنزل وارتقي. فقال : مالي إلى ذلك سبيل ، نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق ، فما أنت بمؤثر بعدها ، فسجد داود على مرقاة من الدّرج ، فقبض نفسه على تلك الحالة ، وأوصى لابنه سليمان بالخلافة (٢) .
ثمّ مدح سبحانه سليمان بقوله : ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان ﴿إِنَّهُ﴾ كأبيه ﴿أَوَّابٌ﴾ ورجّاع إلى الله في جميع الأحوال في النّعمة بالشكر ، وفي المحنة بالصبر والتضرّع ، واذكر يا محمد ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ وأظهر ﴿عَلَيْهِ بِالْعَشِيِ﴾ ووقت العصر الخيول ﴿الصَّافِناتُ﴾ والقائمات على قوائم ثلاث مع تثنية الرابعة أو وضعها على طرف السّنبك و﴿الْجِيادُ﴾ والسريعات في العدو.
وعن ابن عباس : الجياد الخيل السوابق ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها (٣) ، والصفتان من أحمد صفات الخيل.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٥.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢٦.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ٢٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
