ثلثاه دمع ، وجهد نفسه راغبا إلى الله في العفو عنه حتّى كاد يهلك ، واشتغل بذلك عن الملك حتّى وثب له ابن يقال له إيشا على ملكه ، واجتمع إليه أهل الزيع من بني إسرائيل (١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ الذنب الذي استغفر منه في شهر ذي الحجّة على ما قيل (٢) . فلمّا نزلت توبته حارب ولده فهزمه ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ عليهالسلام ﴿عِنْدَنا﴾ بعد المغفرة ﴿لَزُلْفى﴾ وقربا وكرامة في الدنيا ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومرجع بعد الموت ، وهو الجنّة العالية المعدّة للأنبياء.
﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ
الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ
شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان تفضّلاته الخاصة على داود ، وذكر ابتلائه بالحزن الشديد ، بيّن زيادة إنعامه عليه بقوله : ﴿يا داوُدُ إِنَّا﴾ بعد أن غفرنا لك ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ وملكا نافذ الحكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وسلطانا مقتدرا على جميع الناس مع النبوة والزّلفى ، إذن ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ﴾ والعدل ، وفي منازعاتهم بحكم الله ، كما هو مقتضى الخلافة الإلهية ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ في حكومتك ، ولا تقض بميل نفسك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ ويحرفك الهوى وميل النفس ﴿عَنْ﴾ سلوك ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ وطريق القرب إليه ، وهو العدل في الحكم ، فانّ هوى النفس يدعو إلى جلب المنافع الشخصية ورعاية القريب والصديق ، وإعمال البغضاء في حقّ من أساء إلى الحاكم ، وكلّ ذلك يصرف نظر الحاكم عن الحقّ وإعطائه لمن هو له ويمنعه عن العدل.
ثمّ هدّد سبحانه متّبعي الهوى والضالين عن الهدى بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ باتّباع الهوى والجور في الحكومة ، وتضييع الحقوق ، معدّ ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بالنار ﴿بِما نَسُوا﴾ ولم يذكروا ﴿يَوْمَ الْحِسابِ﴾ وغفلوا عن أهوال القيامه وشدائدها ، وكان نسيانهم ذلك اليوم وغفلتهم سببا لاستحقاقهم أشدّ العذاب وأشدّ العقاب ، ولو كانوا متذكّرين له لتداركوا قبائح أعمالهم بالتوبة وأعدّوا له الاهبة.
﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٢٣ ، تفسير روح البيان ٨ : ١٨.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ١٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
