يا داود ، أنت أحقّ أن يضرب منك هذا وهذا ، وقد فعلت كيت وكيت. ثمّ نظر داود فلم ير أحدا (١) . ﴿وَ﴾ لذا ﴿ظَنَ﴾ وعلم ﴿داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ﴾ وأردنا تنبيهه على قبح ما صدر منه.
وقيل : إنّ سبب علمه أنّه لمّا قضى بينهما ، نظر أحد المتخاصمين إلى الآخر فضحك ، ثمّ صعد إلى السماء (٢) .
وعن الباقر عليهالسلام في قوله : ﴿وَظَنَّ داوُدُ :﴾ « أي علم ، وذكر عليهالسلام أنّ داود كتب إلى صاحبه أن لا تقدّم أوريا بين يدي التابوت وردّه ، فقدم أوريا إلى أهله ، ومكث ثمانية أيام ثمّ مات » (٣) .
وفي رواية عن الرضا عليهالسلام قيل له : يابن رسول الله ، ما قصّة داود مع أوريا ؟ قال : « إنّ المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا ، فأوّل من أباح الله تعالى أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود ، فتزوج بامرأة أوريا لما قتل ، وانقضت عدتها » (٤) .
وقال بعض العامة : كانت زلّة داود المسارعة في الحكم قبل السؤال عن المدّعى عليه (٥) .
وعن الرضا عليهالسلام - في رواية - فقيل : يابن رسول الله ، فما كانت خطيئة داود ؟ فقال : « ويحك ! إنّ داود إنّما ظنّ أنّه ما خلق الله تعالى خلقا أعلم منه ، فبعث الله الملكين فتسوّروا المحراب ، فقالا له : خصمان بغى بعضنا على بعض - إلى أن قال - فعجل داود على المدعّى عليه ، فقال : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. ولم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك ، ولم يقبل على المدّعى عليه فيقول له : ما تقول ؟ فكان هذا خطيئته » (٦) وقالوا فيه وجوه اخر لا نطيل بذكرها.
وعلى أي تقدير ﴿فَاسْتَغْفَرَ﴾ داود ﴿رَبَّهُ﴾ من زلّته التي كانت بالنسبة إليه ذنبا بعد ما التفت إليه ﴿وَخَرَّ﴾ وسقط على الأرض حال كونه ﴿راكِعاً﴾ قيل : إنّ المراد من الركوع هنا السجود (٧) ، والمعنى خرّ للسجود حال كونه مصليا تسمية للصلاة باسم الركوع ، لكونه من أعظم أجزائها.
عن ابن عباس رضى الله عنه ، عن النبي صلىاللهعليهوآله : « أنه سجد في ص وقال : سجدها داود توبة ، ونسجدها شكرا » (٨) .
﴿وَأَنابَ﴾ داود ورجع إلى ربّه بالتوبة. روي أنّه بقي في سجود أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلّا لصلاة مكتوبة ، أو لما لا بدّ منه ، ولا يرقأ دمعه حتى نبت منه العشب حول رأسه ، ولم يشرب ماء إلّا
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ١٩٦.
(٢) تفسير الرازي ٢٦ : ١٩٨ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٢١.
(٣) تفسير القمي ٢ : ٢٣٤ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٩٦.
(٤) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ : ١٩٤ / ١ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٩٦.
(٥) تفسير الرازي ٢٦ : ١٩٨.
(٦) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ : ١٩٤ / ١ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٩٥.
(٧) تفسير روح البيان ٨ : ١٨.
(٨) تفسير روح البيان ٨ : ١٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
